علي عبدالله خليفة بين أنين الصواري وعطش النخيل

0
0

في شعر علي عبدالله خليفة تبدو البحرين ذاكرة حيّة، تسكنها رائحة البحر، وظلال النخيل، وأصوات البحارة، وحنين الإنسان إلى أرضه الأولى. ولهذا يصعب قراءة تجربته الشعرية بمعزل عن تلك الثنائية التي تشكل وجدان المكان الخليجي: البحر والنخلة؛ البحر بما يحمله من سفر وانتظار وفقد، والنخلة بما تمثله من رسوخ وانتماء وذاكرة.

بين أنين الصواري وعطش النخيل يتحرك صوت علي عبدالله خليفة، كأن الشاعر يقف على تخوم عالمين: عالم البحر المفتوح الذي يغري بالرحيل، وعالم اليابسة الذي يشد الإنسان إلى جذوره. فالصواري ليست أخشاباً ترتفع فوق السفن فحسب، وإنما علامات على حياة البحر القديمة، وعلى رجالٍ كانت أرزاقهم وأحلامهم معلقة بما تأتي به الريح. أما النخيل، فهي ذاكرة الأرض؛ تصمد في وجه القيظ والعطش، وتمنح المكان ظله وثمره، وتختزن في جذوعها حكايات أجيال.

ولعل قوة تجربة خليفة تكمن في أنه لم يتعامل مع التراث بوصفه صورةً فولكلورية جامدة، بل جعله مادة شعرية قابلة للتجدد. البحر عنده ليس ماضياً منقضياً، والنخلة ليست مجرد رمز شعبي؛ كلاهما يدخلان في صميم التجربة الإنسانية: الرحيل والانتظار، الفقد والأمل، الجوع والكرامة، والانتماء إلى مكان لا يكف عن التحول.

ولهذا تبدو قصيدته في كثير من الأحيان محاولة لاستعادة ما يتسرب من الذاكرة. فالحداثة التي اجتاحت الخليج لم تمحُ تماماً عالم البحر والنخيل، لكنها غيّرت ملامحه، وتركت وراءها أسئلة عن الإنسان الذي وجد نفسه فجأة أمام مدينة جديدة، واقتصاد جديد، وإيقاع حياة مختلف. ومن هنا يصبح الحنين عند خليفة أكثر من استعادة للماضي؛ إنه سؤال عن معنى الوطن حين يتغير المكان ولا يتغير الحنين إليه.

لقد كان علي عبدالله خليفة، في جانب أساسي من تجربته، شاعر المكان البحريني بامتياز؛ لكنه لم يحبس المكان داخل حدوده. فالبحر الذي يغني له هو بحر الخليج كله، والنخلة التي يستحضرها تحمل شيئاً من ذاكرة الصحراء العربية، والبحّار الذي يطل من قصائده يمكن أن يكون صورة للإنسان العربي الذي عاش طويلاً بين إغراء الرحيل وحاجة البقاء.

أنين الصواري وعطش النخيل صوتان متباعدان في الظاهر، لكنهما يلتقيان في أعماق شعر علي خليفة: صواري تبحث عن الريح، ونخيل تبحث عن الماء. وبين الريح والماء، بين السفر والجذور، يقيم شعره، ورحيله لا يعني غياب صوته؛ فما تركه من شعر سيظل، مثل النخلة، واقفاً في الذاكرة، ومثل الصاري، شاهداً على بحرٍ بعيد لا يكفّ عن النداء.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا