حول “منفضة سميح القاسم” (4)

0
41

ما من سفرٍ محايد لدى سميح!

محمد ديتو

“قصص السفر مشبعة دائماً بالدموع والابتسامات، فما من سفر محايد كما ترى، وما من سفر يقتصر على جواز السفر والتذكرة ومواعيد الاقلاع والهبوط ومراكز التسوق..”. هكذا لخص سميح القاسم مشاعره وهو يتذكر حكايا سفراته إلى مختلف البلدان في حياته. يقول “تكررتُ سفراتك جواً وبحراً وبراً، وكنت تعود من كل رحلة بشحنة عاطفية كبيرة”. يبدو أن السفر كان عنصراً أساسياً في إنضاج شخصية سميح عبر السنين، إذ اعتبره “شرطاً أساسياً وجوهرياً لأية عملية ابداعية. وللسفر ثقافته الخاصة، ومتعته التي تتعدى المتع السياحية الصرف. ثمّة تراكم معرفي مفترض، وتعميق مفترض للتجربة الذاتية”، ويضيف “كان لك من أسفارك ما يكفي لإشغال بقيتك الباقية من العمر، استذكارا ومراجعة وتلخيصا وتدويناً.”

حين كان سميح منهمكاً في كتابة سيرته الذاتية “إنها مجرد منفضة” أدرك بأنه على الرغم من حبّه للسفر لأكثر من ثلاثة عقود من حياته، إلا أنه بعدها “أصبحت مُتعة الاستذكار أكبر من متعة السفر نفسه” خاصة بعد صعوبة حركته الجسدية بعد حادث السيارة المشؤوم.  ولكن على الرغم من ولعه بالسفر، كان سميح شديد التعلق ببلدته الصغيرة “الرامة” في الجليل. ويبدو كما يتضح من سرده في الكتاب، بأنه تمكّن عبر السنين من صياغة علاقة جدلية بين تعلقه ببلدته “الرامة” من جانب، وحبه للانفتاح على العالم من جانب آخر.  “الأماكن الصغيرة تشكّل عقولاً صغيرة” حسب تعبيره، ويضيف: “هذا نفسه ما أقنعك بأن السفر ضروري ليس لمشاهدة الأمكنة والمجتمعات فحسب، بل للتفاهم معها. ومع كثرة التباينات وشدّة التناقضات تكتشف أن الأفق الأرحب ينتج العقل الأرحب، ويجعل الإنسان أكثر تواضعاً وأكثر استعداداً للتعامل مع النقائض والغرائب والعجائب، بروح تطلب التفاهم ولا تفتعل الصراع. بعبارة أخرى فأنت تعتقد أن التجوال والترحال يجعل الإنسان أكثر انسانية، وأقل قابلية للتقوقع والانكماش على الذات، وأكثر تهيؤاً للصفح والتسامح، وأكثر قدرة على المحبة، وهذا بالذات ما جعل احساسك بالغربة الجغرافية قليلاً لدرجة الندرة.” 

سميح القاسم لم يتعامل مع السفر بوصفه سياحة صرفة، حسب تأكيده في الكتاب: “تعلم أنك لست سائحاً محترفاً. وسفرك المزمن والباهظ مرتبط دائماً بقراءات شعرية أو بندوات فكرية ومؤتمرات سياسية. ومع وجود العنصر الاكتشافي السياحي فإن العمل والرسالة والمهمات الوطنية تظلّ العناصر الأبرز في جولات سفرك”. حين سافر لأول مرة خارج الوطن عام 1968، كان ذلك ضمن مهمة نضالية مع رفيقه محمود درويش للمشاركة في مهرجان الشباب والطلبة العالمي في صوفيا عاصمة جمهورية بلغاريا الاشتراكية آنذاك. كانت رحلة مشبعة “بالدموع والابتسامات”، أي مليئة بالمشاعر المتناقضة; فمن جانب هناك الترحيب الحار من قبل محبيه من قراء قصائده في العالم العربي، وهناك من جانب آخر حملات المقاطعة والتشويه التي استهدفته من المتعصبين القوميين آنذاك.

كانت موسكو من المدن التي احتفظ سميح بعلاقة حميمية خاصة معها.  سميح يتذكر سفرته إلى موسكو عام 1971، لدراسة الفلسفة والتاريخ والاقتصاد السياسي في المعهد الحزبي الشهير هناك، وشعوره بالبهجة بلقاء الرفاق الوافدين من مختلف اقطار العالم، وتذكر كيف أن لطفي الخولي قد عرض عليه لقاء أنور السادات الذي تصادف وجوده آنذاك في العاصمة السوفيتية، فما كان من سميح إلا أن اعتذر بشدة قائلاً: “آسف يا لطفي. لست في حالة نفسية تتيح لي لقاء الرجل. وصدّق يا لطفي أن ضميري سيؤلمني لو ذهبت لمثل هذا اللقاء.”

  في إحدى سفراته اللاحقة إلى موسكو تصادفت فترة وجوده مع فعاليات دورة أحد مهرجانات السينما آنذاك، حيث قام عدد من الفنانين المصريين بزيارته بالفندق، وكانت بينهم الفنانة سعاد حسني، وحين شاهد سميح حقائبها الكثيرة المملوءة بالهدايا علّق مداعباً: “يا لك من فنانة برجوازية! ولم يتأخر ردّ سعاد حسني التي كالت لك الصاع صاعين: أنا بورجوازية؟ طب بُص شوف أنا جايبالك إيه هدية.. أهو .. لينين شخصياً! وقدمت لك تمثالاً نصفياً لفلاديمير لينين. ومازلتُ محتفظاً بالتمثال مع أشيائك العزيزة والغالية عليك جداً”.

من المواقف بالغة الدلالة التي صادفها في رحلاته إلى الاتحاد السوفيتي آنذاك، رحلته الى جمهورية جورجيا وعاصمتها تبليسي، حيث زار أحد المساجد التاريخية على أطراف المدينة، ورأى هناك صندوقاً للتبرعات الضرورية لصيانة المسجد والعناية به، فما كان من سميح إلا أن أخرج كل ما في جيبه وتبرّع بها لذلك المسجد، الأمر الذي أثار حفيظة بعض المسئولين الحزبيين السوفييت آنذاك وانتقدوه: “كيف تتبرع لمسجد؟ أنت علماني فلماذا يهمّك ذلك؟ عليك التخلص تماماً من الرواسب الدينية والقومية… قلت بهدوء: معذرة أيها الرفاق …إن إقدام ستالين على إلغاء الحرف العربي واستبداله بالحرف السلافي في جمهوريات آسيا الوسطى، كان خطأً فادحاً يارفاق…التغيير القسري خطأ…لابد من التثقيف والتعبئة دون إكراه ديني ومحو حضاري..” (ص 136).

من القصص المؤثرة في ذاكرة ووجدان سميح القاسم حكايته مع الطفلة التونسية “السمراء النحيلة والجميلة” حسب وصفه. بعد انتهاء أمسيته الشعرية ذات يوم في العاصمة تونس خصصت الحكومة سائقاً ليقلّه الى المطار في صباح اليوم التالي. في الطريق استأذنه السائق لإيصال بعض الأغراض إلى منزله طالما كان هناك متسعاً من الوقت، فوافق سميح عن طيبة خاطر. حين وصلوا إلى المنزل، هرع السائق وفي يده رزمة ليعود بعدها بلحظات ويسأل سميح: هل تسمح لطفلتي بأن تسلم عليك وتعطيك هدية متواضعة؟ خرجت من المنزل طفلة ترتدي فستاناً بسيطاً فضفاضاً وسألت سميح: أنت من فلسطين؟ نعم يا حبيبتي أنا من فلسطين. من القدس؟ نعم يا حبيبتي من القدس. قدمت الطفلة إليه كيساً صغيراً: “في هذا الكيس بذور لنبتة طيبة الرائحة. هي عندنا كثيرة. وأرجوك بحق الله أن تزرعها لأجلي في فلسطين..في القدس” .. اجتاحت القشعريرة سميح: “طبعاً يا أميرة طبعاًً يا حبيبتي سأزرعها لأجلك في فلسطين وفي القدس”. بعد عودة سميح إلى “أرض الوطن” كانت بذور الطفلة التونسية أهم ما يشغل باله، وعبثاً حاول زراعتها في القدس والرامة فلم تفلح محاولاته المتكررة وباءت جميعها إلى الفشل. كتب سميح: “رحت تبث حزنك على بذور الطفلة التونسية في ندواتك وأمسياتك الشعرية.. في الرامة والناصرة وعكا وحيفا والقدس ويافا ولندن وباريس ونيويورك وفي عمان ومسقط والدوحة والمنامة .. ولاحظت أن عِبرة هذه “المأساة” تصل بيسر إلى القلوب والعقول”.

بعد أعوام عاد سميح إلى تونس وبينما كان منهمكاً بالإعداد لأمسيته الشعرية، رنّ جرس الهاتف في غرفته، ولم يكن المتصل سوى ذلك السائق والد الطفلة. صعد للغرفة: “آسف جداً. أعرف أنك مشغول لكن البنت جننتني. تريد أن تعرف ماذا جرى لبذورها” .. وصف سميح ردة فعله: ” صَمتَّ مطأطئ الرأس كأنك في جنازة. لكنك عدت واستجمعت قواك ..رفعت عينيك الى عيني أخيك التونسي: اذهب يا رجل. اذهب إلى ابنتك التي جننتك وقل لها بملء الفم والقلب، إن بذورها عاشت في الرامة. وعاشت في القدس. وعاشت في فلسطين..وعاشت في أماكن أخرى..إذهب يا أخي وطمئنها إلى أن رسالة بذورها ستعيش في قلب كل عربي حرّ وحيّ وشريف.” (ص 139- 142).

من الحكايا المؤثرة أيضاً في رحلات سميح القاسم، حكاية لقائه مع شاب من غزّة في مطار فرانكفورت – كان ذلك في منتصف الثمانينات من القرن الماضي على ما يبدو- ونترك لسميح سردها (ص 325 – 327): “كنت عائداً إلى الوطن عبر مطار فرانكفورت وكان عليّ أن أنتظر عدة ساعات ترانزيت. صعدتُ إلى الكافيتريا القريبة لفنجان القهوة وتزجية بعض الوقت.. كانت أمامي بضع ساعات لإقلاع طائرتي في الفجر ..كنتُ مرهقاً بعض الشيء فاستلقيت على مقعد جلدي مستدرجاً شيئا من النوم. لاحظت على مسافة مني شاباً بملامح عربية يسترق النظر إليّ بين فينة وأخرى. قلت في نفسي، لعله من رجال المخابرات الذين يتابعونني..أية مخابرات؟ لا يهم قد يكون أحدهم وكفى..ولأنني مرهق بعض الشيء فقد غفوتُ ولم أستيقظ إلا على صوت آلة التنظيف الكهربائية في ساعات الفجر الأولى. كان الشاب بملامحه العربية مازال هناك..وقبل أن أسأله عن معنى مراقبته لي، دنا مني بتحية الصباح، مردفاً بأنه عرفني ورغب في الحديث إلى لكنه خشيَ أن يكون مزعجاً لي. وحين طمأنته أنني أرحب به، قال: أنا فلسطيني من غزة. ضايقني الاحتلال فهربتُ الى الضفة الغربية. لاحقوني هناك فهربت الى الأردن، ولاقوني هناك فهربت الى اليمن الجنوبي ثم انتقلت إلى صنعاء وهناك شكّوا في أمري وكأنني جاسوس للجنوبيين ووضعوني على طائرة مسافرة إلى السودان. ورفض السودانيون استقبالي ووضعوني على طائرة متوجهة إلى براغ. ومن براغ حملوني على طائرة قدمت بي إلى هذا المطار، وأخبرتني سلطات أمن المطار أنها سترحلني إلى أفغانستان أو باكستان بعد ساعات، ولا أعرف ماذا سيفعل بي المسؤولون هناك ولا أعلم إلى أين سيؤول مصيري وأي بلد سيقبل استضافتي إلى أن يفرجها علينا ربنا ويحلها حلال. قلت له إنه جزء طبيعي من الحالة الفلسطينية غير الطبيعية. وأكدت له أننا جميعاً وفي كل مكان على لائحة “برسونا نون غراتا”، (الشخص غير المرغوب به)، ورغم تمنعه فقد أعطيته عدة حلاقتي حين لاحظت نمو لحيته، وما ظلّ لي من أشياء قد تساعده في رحلته الجوية السريالية.. ومن ذلك الشاب الذي نسيت اسمه الحقيقي واسمه الحركي، لكنني لم أنس ملامحه التي تشبه ملامحي، منه ومن عذابه الذي يشبه عذابي كانت قصيدة “برسونا نون غراتا” (شخص غير مرغوب به)، التي نقرأ فيها التعبير الشعري البليغ في وصف حالة ذلك اللاجئ الفلسطيني: “طائرة، وملاك وحيد على خيمة ضائعة..!”، كما نقرأ في تلك القصيدة: “روحي نظيفة وحزني قبيح وصبري جميل … ولا حل في الحل حرباً وسلماً … أنا المعضلة ..أنا الأغنيات، أنا السنبلات، أنا الراجمات أنا القنبلة .. أنا الممكن المستحيل ..لا خير غيري، ولا شرّ غيري…أنا الممكن المستحيل!”.