لم يكن ينقص المشهد الدموي في غزة الجريحة، وفي عموم فلسطين الحبيبة، إلا آلة القتل الممنهجة التي تستظل بالقانون التي ينفذها الكيان الصهيوني بحق المدنيين الفلسطينيين، أي “دليل إضافي” على أن هذا الكيان يتصرف خارج إطار القانون الدولي والإنساني، وأن خطوته تلك شكلت الطعنة المسمومة في قلب المنظومة الدولية لحقوق الإنسان.
الحديث هنا عن إقرار الكنيست الإسرائيلي إعدام الأسرى الفلسطينيين، والمفارقة أن هذه الخطوة تأتي في الوقت الذي يشهد فيه العالم جدلًا واسعًا مثارًا في الدول التي تطبق عقوبة الإعدام بناءً على أحكام قضائية حول عدالة الإعدام، فكيف حين تُطرح هذه العقوبة في سياق نزاع سياسي معقد، هنا يصبح النقاش ليس قانونيًا فقط، بل أخلاقيًا وإنسانيًا، هل يمكن أن يتحول القانون إلى أداة انتقام، هل يمكن أن يُستخدم القضاء وسيلة لتكريس الصراع لا لحلّه، هناك دول أوقفت هذه العقوبة، وأخرى علّقتها، وثالثة تُقيّد استخدامها بأضيق الحدود إدراكًا لخطورتها الأخلاقية والقانونية، ولكن الكنيست الإسرائيلي لم يعطِ أي اعتبار لذلك، بل أقر إعدام الأسرى في سياقٍ هو الأكثر تعقيدًا وحساسية، سياق الصراع، وهنا تتضاعف المفارقة لأننا لا نتحدث عن نظام قضائي مستقر يقر عقوبة مثيرة للجدل، عن قوة احتلال في حالة نزاع تُقِرّ عقوبة قصوى بحق أسرى يفترض أنهم تحت حماية القانون الدولي ..!!
المعروف أنه وفق اتفاقيات جنيف هناك قواعد واضحة تحكم معاملة الأسرى، وتفرض قيودًا صارمة على العقوبات، لكن ما يحدث اليوم،
يكشف مرة أخرى هشاشة النظام الدولي: قوانين موجودة، لكن تطبيقها انتقائي، مبادئ معلنة لكن الالتزام بها مشروط، وهنا تتكرر المفارقة وهي أن العالم الذي يطالب بالعدالة يقف عاجزًا أمام خروقاتها وانتهاكاتها ..!إسرائيل لم تعد تكتفي بقتل المدنيين، ولا بقصف المستشفيات، ولا المدارس، ولا استهداف الملاجئ وحتى اعتقال الأطفال، بل اعتمدت إطارًا قانونيًا يُلبس الجريمة ثوب الشرعية، هنا لا توجد محكمة، ولا معايير، ولا محاكمة عادلة، ولا شروط حرب، هناك شيء واحد فقط، شرعنة القتل كخيار سياسي ..!!
إنه انقلاب صريح على كل ما ورد في الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، ومواثيق حماية الأسرى، والقانون الدولي الإنساني، بل هو مخالفة حتى لمعايير الأنظمة الاستبدادية التي تخجل من إعلان هذا النوع من القوانين علنًا، إذن نحن هنا لسنا أمام خطوة إضافية في سجل الانتهاكات، بل أمام طعنة مباشرة في قلب الفكرة الإنسانية نفسها، انتقل فيها الكيان الصهيوني المحتل من قتلٍ ميداني، ومن قصف مدنيين، ومن تدمير البيوت فوق رؤوس ساكنيها — إلى مستوى أكثر وقاحة، قتل الأسرى بغطاء قانوني ..!!
حين سنّ الكنيست قانونًا يسمح بإعدام الأسرى الفلسطينيين فإنه كتب وثيقة إعدام للقانون الدولي، والصدمة الأكبر ليست فقط في تشريع القتل، بل يضاف إليه مشهد وزير “الأمن القومي” الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير وهو يوزّع الحلوى على أعضاء الكنيست بعد تمرير القانون، أي حضيض أخلاقي يمكن أن يصل إليه نظام سياسي، حين يحتفل وزير فيه — بكل فخر — بـــ”حق القتل”، هذا المشهد وحده يكفي ليعيد تعريف إسرائيل، ويجعل الرأي العام العالمي أمام مشهد سادي بحت، موقف يحدث في “دولة” مصطنعة تعرف جيدًا أن الأمم المتحدة عاجزة عن فعل شيء، وأن العالم ليس بمقدوره سوى الاكتفاء بالإدانة اللفظية، وهي بذلك تؤكد للعالم أن الفلسطيني لا قيمة له، حيًا أو أسيرًا، بلا حقوق، وحتى إن سلّم نفسه مصيره الموت ..!!
ما قيمة اتفاقيات جنيف إذا كانت دولة الاحتلال تقتل الأسرى بقانون، ما قيمة المحكمة الجنائية الدولية إذا كانت لا تتحرك، ما قيمة المنظمات الحقوقية إذا لم تستطع إيقاف جريمة واضحة ومعلنة ومخزية، صحيح أننا وجدنا إدانات واستنكارات هنا وهناك على تلك الخطوة، ولا شيء خارج حدود ذلك، بل إن مجمل المواقف وردود الفعل بدت خجولة، إن لم تبدُ شكلًا من أشكال الصمت العالمي، وهذا ليس حيادًا إزاء جريمة مروعة، بل مشاركة سلبية في الجريمة، وكما قال الفيلسوف الألماني هانا آرنت “الشر لا ينتصر بفعل الأشرار، بل بصمت الآخرين”.
أي انحطاط قانوني وأخلاقي يمكن أن يصل إلى هذا الحد، وأي رسالة يمكن أن توجهها للعالم، وأي قيمة بقيت لمزاعم ذلك الكيان بأنه يمثل الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، أمام قانون هو في أبسط تحليل يعني إعلان موت القانون الدولي، قانون عبّر الكيان الصهيوني من خلاله وبشكل فج بأنه يسخر من القوانين والأعراف الدولية، ويضرب القيم الإنسانية والحقوقية في الصميم، ويحول الانتقام إلى سياسة رسمية، وإذا كانت تلك الخطوة محاولة من محاولات كسر إرادة الفلسطينيين فإن عليه أن لا ينسى أو يتناسى أن الأسرى هم جزء من البنية الوطنية الفلسطينية واستهدافهم على هذا النحو هو استهدافٌ للروح والرمز والصمود، ليس ذلك فقط، هذا القانون رسالة للعالم العربي، رسالة واضحة يقول من خلالها الكيان الغاصب إنه لن يلتزم بأي معيار أخلاقي، سياسي، حقوقي، إنساني، وأنه لا يأخذ اعتبارًا لأي ضوابط، ومنطقيًا، هذا القانون لا علاقة له بالأمن، ولا بالردع، ولا بأي ذريعة إسرائيلية من الذرائع التي تعودنا عليها، إنه قانون “اغتيال” داخل غرفة تشريعات، قانون “إبادة” مغلف بعبارة “حماية الدولة” ..!!
صحيح أن القرار لم يمرّ بصمت، على المستوى العربي، صدرت إدانات رسمية وشعبية تؤكد على الرفض وتحذير من تداعياته، وعلى المستوى الدولي، توالت مواقف منظمات حقوقية، في المقدمة منها هيومن رايتس ووتش، ومنظمة العفو الدولية التي شددت على أن عقوبة الإعدام، وخاصة في سياق الصراع، تمثل انتهاكًا خطيرًا للحقوق الأساسية، كما عبّرت أطراف دولية عن قلقها مؤكدة أن مثل هذه الخطوات تُفاقم التوتر ولا تُسهم في الحل، لكنها بالنهاية مواقف باهتة لا تعكس خطورة الحدث، اكتفى الجميع بتلك المواقف دون اتخاذ أي إجراء، أو موقف صارم، وكأن هناك موافقة ضمنية على ذلك التشريع المخجل، وهنا نستذكر ما قاله الفيلسوف سبينوزا “الشر لا يتوسع بقوة فاعله، بل بغياب من يمنعه” ..!!
قانون إعدام الأسرى ليس مجرد خطوة إضافية في سلسلة الانتهاكات، بل هو لحظة سقوط أخلاقي كامل، لحظة تختفي فيها الإنسانية من قاموس دولة، وتتحول العدالة إلى أداة قتل، ويُشرعن فيها الإعدام كأنه “إنجاز سياسي”، إنه ليس طعنًا لحقوق الإنسان فقط، بل طعنًا لفكرة الإنسان نفسها، وستبقى هذه الطعنة شاهدًا على انحطاط دولة، وعجز عالم، وصمود شعبٍ يدفع أثمان الحرية في كل يوم، ولحظة إعلان رسمي بانهيار آخر ما تبقى من قناع قانوني كانت إسرائيل تختبئ خلفه منذ عقود.


