
غادر دنيانا، في الرابع عشر من يونيو / حزيران الماضي، المربي والمناضل الصلب، أُستاذي الفاضل محمد حسين نصر الله، وبرحيله فقدت الحركة الوطنية، وفقدت جمعية المنبر التقدمي، وفقد تيار جبهة التحرير الوطني في البحرين وقدامى مناضليه، مناضلاً كبيراً عنيداً صلباً في ساحات النضال كرّس جُل حياته للنضال الوطني بوجه عام، وللنضال الماركسي الاشتراكي الطبقي بوجه خاص.
تعرفت لأول مرة في حياتي على “الأستاذ” غداة نكسة يونيو/ حزيران عام 1967 وتحديداً في عام 1968، وذلك حينما كنت على مقاعد السنة الثانية الإعدادية في مدرسة الخميس الإعدادية، ولا يكاد عمري حينها يبلغ الثالثة عشرة، وكان يدرسنا مادة اللغة الإنجليزية، وكان انطباعي المتشكل عنه بأنه واحد من الأساتذة المتفانين في تأدية رسالتهم التربوية والمهنية بإخلاص، وقد بذل قصارى جهده ليرفع مستوى طلبته في اللغة الإنجليزية، وبصفة خاصة الذين دون المستوى المطلوب، إذ ليس خافياً أن قسماً منهم، دون أن أستثني نفسي، قد تشكل لديه رهبة من صعوبتها الشائعة حينذاك في الوسط الطلابي والمجتمع، سيما وأنهم يعلمون مقدماً بأن الرسوب فيها وفي مادة الرياضيات، ليس مشكلة، إذ يتيح لك النظام التعليمي وقتذاك النجاح والانتقال إلى السنة التعليمية التالية.
كما كان ” الأستاذ” بطبيعته هادئًا، وليس من المدرسين الذين عُرفوا بتعاملهم اللفظي الخشن، أو استخدام الضرب والذين قد دأبوا على إحضار عصي الخيزران معهم في حصصهم الدراسية، حيث كانت هذه الوسيلة الفظة مشروعة لتأديب الطلبة غير المجدين أو المشاغبين على السواء، إذ لم نره قد أحضر معه هذه العصا الغليظة قط، ولم يكن يسعى من جانبه إلى استغلال مهامه التدريسية لفرض آرائه السياسية، كما كان يفعل المدرسون الآخرون من التيارات السياسية القومية المختلفة.
وما زلت أتذكر جيداً بأن أحدهم كان ينتقد أمامنا – بشكل تلقيني – الأنشطة والنضالات المحسوبة على “جبهة التحرير”، أو كما يسميهم ” الشيوعيين” ويعمد إلى تكفيرهم واتهامهم بالعداء للرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر والوحدة العربية. وفي تلك الفترة كنا ونحن في هذه السن الغضة وقد تشكل وعينا السياسي الطري منقسمين على تلك التيارات، ولا أكاد أصدق اليوم كيف تشربنا تلك الأفكار السياسية مبكراً، بل وانتمينا إلى تلك التيارات السياسية الوطنية المتصارعة، ونحن ما فتئنا بذلك العمر الطفولي البريء دون أن نبلغ حتى سن المراهقة!
وبعد تخرجي من جامعة القاهرة عام 1976 وعودتي إلى الوطن البحرين بدأت أعرف بأن “أُستاذي” إنما ينتمي إلى التيار الاشتراكي الذي أنتمي إليه نفسه، ثم أخذت أتعرف عليه أثناء مروري على دكان الرفيق ” أبو سلام ” في قرية الديه، أو خلال زياراتي لمنزل هذا الأخير في قرية بني جمرة، أو في كثير من الأحيان أثناء زياراتي لدكان الرفيق موسى خميس في قرية السنابس. وبعد تأسيس “جمعية المنبر التقدمي” صرت ألتقيه لدى زياراتي الصباحية لمقر الجمعية بمدينة عيسى، حيث كنت أتبادل معه هموم الوطن وقضايا النضال الراهنة التي تشغل بال المناضلين، وكان “الأستاذ” مستمعاً جيداً، و محاوراً بهدوء من الدرجة الأولى، ينصت إلى آرائك جيداً بكل أريحية و رحابة صدر دون مقاطعة، و دون أن يملي عليك آراءه من موقع ” الأستاذية”.
وأتذكر جيداً شغفه الكبير بمعرفة أي جديد عن الفكر الماركسي، فعلى سبيل المثال كنت أتذكر أنه خلال زيارتي الإعلامية لليابان منتصف تسعينيات القرن الماضي قد تم ترتيب مقابلة لي – بناء على طلبي المسبق في السفارة اليابانية بالبحرين – مقابلة مع مسؤول في المكتب السياسي للحزب الشيوعي الياباني، وقد جرى اللقاء في مبنى الحزب الضخم المتعدد الطوابق في منطقة نائية من العاصمة طوكيو، وطلبت من هذا المسؤول إن كان بحوزتهم مطبوعات باللغة العربية، لكن الرفيق الياباني اعتذر بعدم وجودها، وسلمني عوضاً عن ذلك كتاباً باللغة الإنجليزية، وكان هذا الكتاب عبارة عن أحد التقارير السياسية التحليلية للجنة المركزية بالحزب، وما إن حدثته عن هذا الكتاب في إحدى دردشاتنا الصباحية في مقر المنبر التقدمي حتى طلب مني إحضاره ليطلع عليه، ثم قال لي في دردشة لاحقة: لن أعيده إليك، فتبسمت له، ثم أضاف: لكن لو سنحت لي الفرصة، سأكتب عن ذلك التقرير المفيد مقالاً أو عن الحزب الشيوعي الياباني.
هكذا كانت سيرة أستاذي المناضل محمد حسين نصر الله، هو الذي لطالما تعرض لاعتقالات عديدة، ولم تفت في عضده المعتقلات وغياهب السجون، واليوم وقد رحل عنا بجسده، فإن سيرته الإنسانية والنضالية الملهمة ستظل باقية نبراساً ملهماً لأجيال المناضلين من بعده لا تموت.


