
في حشدٍ مهيب شيعت باربار والقرى المجاورة ابنها البار السيد جعفر إبراهيم الوداعي إلى مثواه الأخير. وبذلك أسدل الستار على مسيرة حياتية مناضلة ومكافحة كانت ملء السمع والبصر في باربار وعموم البحرين على امتداد عشرات السنين، وكانت تحلم بالعدالة والمساواة والديمقراطية.
كان الرفيق والمناضل أبو باسل متمردًا منذ يفاعته على الأوضاع عمومًا وعلى الظلم خصوصًا، وظلّ طوال حياته متمسكًا بمبادئه وبالطريق الصعب، والباهظ الثمن، الذي اختطه لنفسه، ولم يتزحزح قيد أنملة، حيث بقي هو هو السيد جعفر المناضل والمكافح برغم كل الصعوبات والعقبات التي واجهها، كما في ذلك سنوات الاعتقال والسجن على امتداد سبعينات القرن الماضي.
وعلى الرغم من تقدّمه في السن ظلّ السيد جعفر يستذكر السنوات الصعبة، ولكنه لم يتبرم، بل كان دائمًا يتفاخر بنضاله وبأحلامه، وهذه هي عادة وأحلام المناضلين، والسيد أحدهم. فلا غرابة أن يتباهى بالمواقف البطولية التي وقفها من أجل قناعاته وأفكاره وأحلامه.
كان السيد صاحب مواقف منذ بداياته، وقد دلل على ذلك في أكثر من موقع، حيث كان يتقدم العمال المطالبين بحقوقهم، بل كان يجتمع ببعض المسؤولين من أجل رفع تلك المطالب وضرورة تحقيقها باعتبارها حقوقًا وليست منة من أحد.
هذا جانب واحد فقط من جوانب شخصية السيد جعفر، فهناك البعد الإنساني في شخصيته، وقد كنتُ على معرفةٍ به عن قرب، فكان حلو المعشر، وكان حساسًا جدًا تجاه ذوي الحاجات، كما كان معينًا لمن يتعرض لظلم من أي نوع، فلا يبخل بمساعدة مادية ولا مساعدة معنوية لمن يطلبها، في كل الأحوال كان صديقًا وصدوقًا في علاقاته. كما كان مبادرًا في تلبية حاجة أي محتاج يلتقي به أو يطرق باب بيته. وبالاتساق مع إنسانيته كان لا يساوم في الحق، ولا يداهن، ولا يقبل بأنصاف الحلول، فهو صارم كالسيف في نصرة ما يراه حقًا.
إلى ذلك كان أبو باسل قويم الأخلاق والمثاقب، وكثير التقدير لأصدقائه ورفاقه، كما كان يمتاز بالكرم والأريحية إلى أبعد الحدود، وقد كان بيته مفتوحًا للأصدقاء، حيث يفيض عليهم بكرمه ونصائحه وأخلاقه.
ولكن أبا باسل كان صاحب رأي ورؤيا. فكلما التقيته أمازحه بسؤالي: سيد، ما أخبار الأمة؟ فيجيبني جوابًا مختصرًا لكنه مليء بالمعاني والرؤية الثاقبة، حيث يقول: «الأمة في غمة». وما زال جوابه قائمًا على الرغم من رحيله. وهكذا هم أمثال السيد جعفر، حيث يرون ما لا يراه الآخرون.
نعم، لقد فقدنا صديقًا عزيزًا طالما أكلنا وشربنا معه، وسنظل نتذكره كما ستتذكره باربار.


