(حـين رفعـت رأسي): احتفاء بالحب والانتماء

0
20
عبدالله العبد المحسن

اختارت الكاتبة فوزية مطر حقبة مفصلية في تاريخ وطنها زاخرة بالأحداث، لتكون فضاء لروايتها (حين رفعت رأسي)، اختيارها لهذه الفترة يضفي على روايتها سمة ما يعرف برواية الفترة الزمنية، فترة زمنية واضحة الحدود، ما اكتفت الكاتبة أن تتخذ تلك الحقبة إطارا زمنيا لأحداث روايتها، وأن تستلهم زخم أحداثها لرسم ملامح البحرين وقواها الوطنية في نهوضها لمقاومة المستعمر الإنجليزي، بل اتخذت من رموزها شخصيات لروايتها.

إن من يقرأ الرواية يشعر أنه يقرأ سير أبطال حقيقين ساهموا في صناعة تاريخ وطنهم الحديث، على الرغم من حرص الكاتبة ألا تثقل روايتها بتكديس الوقائع، فهي لم تكن في صدد كتابة رواية تاريخية، ولا مؤلف عن التاريخ، وما تخلل الرواية من أحداث سياسية لا تخولنا بالضرورة أن نصفها بالرواية التاريخية، وهذا لا ينتقص قيمتها الفنية.

لا أستبعد أن هذه الرواية قد حجزت لنفسها مكانة بارزة بين ما أنتجه الإبداع السردي المحلي، الذي يوثق تلك الحقبة الهامة في تاريخ الوطن، وفي الوقت ذاته يتعذر فصلها عن الأعمال التي تتماس مع التاريخ، تذكر بأحداثه، وتبرز رموزه.

تكاد أن تكون هذه الرواية توثيقا للحراك الوطني بحكم صلة المؤلفة بما كان يجري، فهي ابنة تلك الحقبة، وربيبة حراكها الوطني، تاريخ عاصرته، وعاشت تفاصيله، فسهل عليها أن تنقل ما شهدت، وان تستوحي منه أحداث روايتها، وتنتقي منه شخصياتها بيسر، وأن ترسمها بدقة، وكأنها تسجل سير أشخاص عاشت بينهم، واختلطت بهم، واستشفت همومهم وأحلامهم. يكفي أن يكون ذلك وازعا لتناول هذه التيمة سواء في كتابها القيم: (أحمد الشملان سيرة مناضل وتاريخ وطن) الذي أرخت فيه بتوسع للحركة الوطنية، وسيرة رموزها، أو في روايتها: (حين رفعت رأسي)، التي تحالف فيها الحب والسياسة.

كتبت روايتها بروح المبدعة الملتزمة بقضية ومبادئ تبنتها، وظلت مخلصة لها وفاعلة فيها، فلا غرابة أن تحتشد الرواية بصور وشواهد عديدة وواضحة للحراك الوطني، وأن تتقن رسم شخصيات روايتها المنبثقين من ذلك الحراك والمؤثرين فيه، حتى ليخال القارئ، وهو يتوغل في الرواية أنه يطل من شرفة على تاريخ البحرين المعاصر، يقلب صفحات تاريخ مضيء لحقبة مظلمة، ولا يخطئ القارئ إذا ظن أن ما يقرأ هي رواية تاريخية نظرا لحضور التاريخ الكثيف، حيث زخرت الرواية بصور نابضة بالحياة عن ذلك الحراك الوطني الفذ، الذي شارك فيه المستنيرون من أبناء الوطن وبناته، وكان للمرأة فيه دور بارز. ربما هذا الدور الريادي المتفرد والمتميز للمرأة هو ما أغرى وأغوى الكاتبة التي كانت واحدة ممن لهن شأن واضح فيه أن ترصده في روايتها.

خروج المرأة البحرينية المبكر يغري أي مبدع ملتزم بتناوله ويستلهمه؟! إنه مثير للدهشة والإعجاب، امرأة مغلوب على أمرها متوارية خلف الجدران مهضومة الحقوق، تعاني من استلاب اجتماعي واقتصادي ومثقلة بالأمية، فجأة تتمرد على واقعها المزري، تتخطى عتبة البيت، تتعلم وتتثقف، تنخرط في النشاط السياسي، لتظهر للعيان بشموخ، وتؤكد أنها قادرة أن تقف بجانب الرجل كتفا لكتف، لا لتطالب بحقوقها المستلبة، بل لتشارك في الحراك الوطني، وتسجل بفخر واعتزاز لأول مرة حضورا لافتا في مسيرة المرأة الخليجية، نعني دور المرأة البحرينية في الحراك الوطني، وهو دور لافت للمرأة في الخليج يفرض الاحترام، وينتزع التقدير، إنها يقظة مبكرة للمرأة في البحرين جعلتها مثلا يقتدى، تجاوزت بها مطالبها الخاصة المتعلقة بشأن المرأة، وأولت الشأن الوطني العام جل اهتمامها، إنها قضية جديرة أن تدرس بعناية لتوثق، وأن تشغل حيزا في الإنتاج الإبداعي بأشكاله المختلفة. وهذا ما سعت الكاتبة فوزية لإبرازه كمبدعة، وتوثيقه كمؤرخة في روايتها بصدق فني وأمانة دون مبالغة، استعرضت دور المرأة كربة أسرة دور قامت به شيخة على وجه أكمل، وكناشطة في الحراك الوطني مثلته ببراعة حصة، انطلقت من واقع المرأة داخل الأسرة، وتابعتها وهي تشارك الرجل الهم السياسي العام، مما يكسب روايتها أهمية، كمصدر رديف موثوق فيه لمعرفة تلك الحقبة من تاريخ البحرين.

كتابة التاريخ قد يعتريها التزوير بسبب خضوعها لأهواء ومقاصد مؤرخين قد يفتقرون للنزاهة والأمانة، أو خضوعهم للإملآت، لذ ينبغي التعامل بحذر مع ما يقدمه لنا المؤرخون، فالتاريخ في نظر علي بيقوفيتش غير كافٍ وحده لفهم الأمم والشعوب؛ لأنه يقتصر غالباً على سرد أخبار القياصرة والأباطرة والمعارك والانتصارات أو الانكسارات. ويضيف: (التاريخ يتناول الأحداث، بينما تتناول الرواية الخبرات والتجارب المعاشة)، والفيلسوف الفرنسي جاك رانسيير يقول إنه وجد في روايات بلزاك: تاريخ المجتمع بأكمله يرتسم على الجدران والأثاث والثياب.

ليس غريبا أن يتحول المؤرخ روائيا مادام يتابع ويدرس ويسرد مسيرة الإنسان، هذا ما سيجده القارئ في رواية فوزية الآنفة الذكر، سيجد ما لم يكن فصلا رئيسيا في كتابها الأول (أحمد الشملان: سيرة مناضل وتاريخ وطن). كمؤرخة لحقبة تاريخية، اختارت هذه المرة بدلا من السرد التاريخي السرد الروائي، ربما تحاشيا للقيود الفظة التي تفرضها تقريرية البحث التاريخي، وربما بهدف التعميم، وربما الكاتبة على علم بأن الرواية لا تتنكر للتاريخ، بل تزيده توثيقا وحضورا.

إنها رواية من واقع الكاتبةُ لصيقة به، تنتح منه دون حاجة لحيل إبداعية، كشحذ الخيال، ولا اللجوء لمراجع من التراجم والسير للبحث عن شخصيات تحملها ما تود إبلاغه من مضامين، فشخصيات روايتها لم تعش في عصر مختلف يصعب استدعاؤهم منه، إنهم من معاصريها، لا يتجاوزون ثلاثة، أو أربعة أجيال على الأكثر، عاشت بينهم في المكان ذاته، يشبهون أشخاصا تعرفهم حق المعرفة، مما سهل عليها رسم شخصيات قوية ومؤثرة مثل حصة الأولى وشيخة وحصة الثانية، كذلك صياغة أحداث، كأنما تدون سيرتها الذاتية.

استخدمت المادة التي بين يديها، طورتها وشكلتها لدرجة يتعذر العثور على فروق بين شخصيات الرواية وشخصيات تاريخية حقيقية، أما الأفكار والمضمون فهي محصلة وذخيرة من معلومات توافرت لديها بحكم معاصرتها لتلك الأحداث، وقربها منها ومن صانعيها، استندت إليها في إعداد هذا العمل الرائع ووظفتها بفنية، لا نجانب الصواب لو قلنا إن الحركة الوطنية هي التي ألهمتها هذا العمل القيم، وهي أهم مصادرها وأقواها لتشييد بنيان هذه الرواية الفذة، بناء فني سهل ممتنع، شيد بحرفية ومهارة جعلته رفيعا.

قدمت الكاتبة لنا ثلاث شخصيات نسائية من ثلاثة أجيال هي: حصة الجدة، وشيخة الأم، وحصة الحفيدة، شخصيات واقعية في أبعادها وسماتها وميولها، شخصيات مقنعة لا تتعارض مع المنطق الفني، ولا منطق الواقع. اختارتها من محيطها، هي على معرفة تامة بهن، ورأتهن جديرات لأن تحملهن ما تريد في رواية شائقة هي: (حين رفعت رأسي) التي تقصت دور المرأة في الحراك الوطني ووثقته إبداعا، فبدت أحداث ووقائع الرواية تمجد للمرأة الناشطة سياسيا، لتصبح المرأة هي المكون الأساس الذي قام عليه بنيان هذه الرواية.

لنقلب صفحات الرواية، ونقتبس منها بعض ما يؤكد ما ذهبنا إليه، بعد الحرب مباشرة زف محمد ابن أحد تجار اللؤلؤ في المحرق، الذي يمتلك اسطولا بحريا يجوب البحار على حصة ابنة رجل ميسور من أهل المحرق. وما مرّ عام حتى كان محمد وحصة ينتظران مولودهما الأول، ورزقا طفلة سميت شيخة، تقبلها الجد على مضض، فقد كان يحلم بحفيد يرث الثروة الطائلة، لكنها مشيئة الله، والبنت في البيت خير وبركة، أقنع نفسه بهذا فتقبل الطفلة وأحبها، وما دار حولٌ آخر حتى أنجبت حصة الحفيد المنتظر جاسم.

عاش الطفلان حياة رغدة، حين بلغت حصة التاسعة وجاسم الثامنة رحلت والدتهما بعد ولادة الطفلة الثانية التي تبعت أمها. عانت شيخة وأخوها جاسم من اليتم. وتضاعف الألم والشقاء خاصة حين تزوج والدهما من نورة، تحولات درامية في حياة شيخة المدللة ابنة التاجر الثري السخي المحب لابنته، فجأة تخرج شيخة من دائرة اهتمام الوالد الذي انصرف لزوجته ومال لها، وترك ابنته عرضة لتعسف زوجته الجديدة نورة، التي حولت الابنة المدللة خادمة ذليلة، ولما تظلمت لوالدها من سوء معاملة زوجته لم يسندها، حلمت شيخة أن تلتحق بالمدرسة مثل صديقاتها وبنات عمها، وكان رد والدها: ليس لدي بنات يذهبن إلى المدرسة، البنات مكانهن البيت.

ولاحقها البؤس والشقاء حتى لما أصبحت زوجة لإبراهيم رجل ثر يكبرها بخمسة وعشرين عاما سبق أن تزوج من ثلاث وانفصل عنهن، لم يجد نفعا رفض جدتها لإبراهيم سيء السمعة، وصفته بأنه يجري وراء متعه. زفت الشابة إليه دون أن تأخذ قرارها. أرعبها ما فعله بها في الفراش. انتهك جسدها مرات ونام. حلمت أن يحميها من ظلم زوجة أبيها، بعد شهرين سافر الزوج إلى الهند لمتابعة تجارته، كما ادعى، وفي واقع الأمر انصرف لمجونه. عادت شيخة لخدمة زوجة أبيها. عاد الزوج بعد ثمانية أشهر مسكونا بشهوة طاغية للصبية الفاتنة المنتظرة، بعد ستة أشهر اشتاق لمتع الهند، أبلغ زوجته أنه سيعود للهند لمتابعة عمله سألته: هل ستغيب عني في حملي الأول؟ استغرب أنها تجرأت، ومررت هذا السؤال، الذي عده تطاولا وتجاوزا منها. قدم لها رزمة من النقود قائلا: هذه ستكفيك حتى أعود. وتوعدها: عليك السمع والطاعة.

وغادر بعد أن أنهك جسدها حتى كرهته، ليمارس نزواته في مدينة بونا التي انتقل إليها، ورجع إلى البحرين بعد أن يئست، وقد أصبح له ابن اسمه عبد الرحمن، قد أكمل عامه الأول، ثم عاود ترحاله، لم ينتظر أن تضع حملها الثاني. أنجبت عبد العزيز، أنفقت المال الذي تركه لها، صارت تبيع مدخراتها من الذهب لتنفق على أطفالها، وشجعتها صديقتها لولوة أن تعمل لتنفق على طفليها، فاستنكر والده المنصرف عنها أن تعمل، وهي ابنة رجل ثر، وزوجها طواش لا يقل ثراء.

تحت ضغط العوز احترفت تلاوة القرآن ختمات، وأضافت قراءة المولد، بتشجيع من صديقتها لولوة، وكان ذلك مصدر رزق مولت به احتياجات أسرتها، حين قصّر زوجها ووالدها في الانفاق عليها طيلة غياب الزوج لمدة ثلاث سنوات، شكت للزوج بؤس حالها مع أطفالها، وسعيها لتأمين معيشة أطفالها. غضب من تجاسرها، وأمرها أن تصمت.

أنجبت طفلها الرابع بنتا أسمتها حصة، ضاعفت جهدها خاصة بعد أن أدخلت ابنها الثاني المدرسة. طفح الكيل، كرهت زوجها. ولما عاد بعد غياب دام أربعة أعوام، ولما رأته بعد عدة شهور يستعد للسفر، استشاطت غضبا، وتجرأت على مواجهته: إما تستقر في ديرتك، وتربي عيالك، وإلا طلقني.

شكا لوالدها تمردها، فقرّعها والدها على جرأتها أن تطلب الطلاق. لم تكترث بوعيد والدها، الذي لم يكلف نفسه بالسؤال عن أحوالها وأطفالها طوال أربعة عشر عاما عاشتها في كنفه. أصرت على موقفها، فالطلاق خلاصها الوحيد من زوج تنصل من مسئوليته، تركها مع أطفالها وانصرف لحياته الخاصة، رفض الزوج الطلاق، فلجأت للمحكمة بتشجيع من صديقتها لولوة. وحكم القاضي بتطليقها، استنكر جميع أهلها وأقاربها اقدامها على طلب الطلاق وعدوه منكرا. بعد شهر من الطلاق أنجبت طفلتها الأخيرة موزة.

في سورة غضب من والدها طردها مع أطفالها من البيت. أغمي عليها، أحاط بها أولادها وصديقتها. غادرت الأسرة المنكوبة البيت الكبير في ليلة ماطرة، وعبّر الابن عبد العزيز عن سخطه: هل هذا جد، وذاك أب، تفو على هكذا أهل.

بحثا عن مأوى لجأت لصديقتيها سلامة وسعيدة في ملحق الخدم في بيت أبي علي أحد رجالات المحرق البارزين.

اضطر أولادها الثلاثة للعمل تاركين المدرسة كي يسندوا والدتهم، وهي واصلت قراءة الموالد والختمات. تكاتفت الأسرة وبمساعدة من الأصدقاء بنوا لهم كوخا في رحبة شمال المحرق.

لاحقا استطاعت الأسرة أن تشتري قطعة أرض في المنامة لتشييد منزل عليها، ولتوفير المال اضطر اثنان من أولادها أن يسافرا للعمل في المنطقة الشرقية بالسعودية.

غامر عبد العزيز وسافر إلى الهند، قصد بيت والده في بونا، وسأل البحرينيين المقيمين هناك، فأرشدوه إلى منزل والده، قرع الباب، جال بعينيه في البيت الفخم، نادى الخادم على سيده، جاء وبدلا أن يعانق ابنه قال: ما الذي أتى بك؟ لا مكان عندي لك هنا، عد من حيث أتيت.

شيخة امرأة ذات صبر وجلد تحملت مسئولية الانفاق على أبنائها وحيدة، بلا معين ولا سند، امرأة ابتليت بصنوف الهموم طفولة بائسة، يتم فقدت والدتها في الصغر، ثم زوجة الأب ظالمة، والد غير مكترث لم يسند طفلته اليتيمة، لا تركها عند جدتها، ولا حمامها من ضيم زوجته، ثم ابتلت بزوج فظ كثير الأسفار، طويل الغياب، ولما انفصلت عنه طردها والدها الثري من المنزل الكبير، بدلا أن يحتضنها مع أطفالها، لكن شيخة صمدت، لم تضعف، ولم تنكسر، خصال حميدة جعلت شيخة شخصية ملحمية. شيخة تكاد تكون بطلة رومانسية، فما واجهته وتحملته يضفي عليها طابعا ملحميا خارقا يتجاوز الواقع. شيخة ابنة العز والثراء عانت العوز وتحملت البؤس إلا أنها لم تنكسر، حافظت على قوة شكيمتها، وبذلت ما في وسعها من أجل أن تعيش أسرتها حياة كريمة، وسعت أن ينال أولادها حظا من التعليم المتاح آنذاك، الذي حرمت منه بسبب قصور في رؤية والدها، الذي كان يرى مكان المرأة البيت.

الفصل الثاني من الرواية كرس لحصة، التي أخذت دور البطولة من أمها شيخة، حرمت حصة في طفولتها من حنان الأب. رأت والدها لما بلغت الثالثة من عمرها. تقول لم يبق في ذاكرتها سوى ظلال باهتة لذاك الرجل الغريب. وعت أن في بيوت الجيران أب وأم. لاحقت أمها وأخوتها بسؤال: من أبي أنا. وأين هو؟ في السادسة من عمرها لما أعياها انتظار الأب الغائب سألت بإلحاح: متى سيأتي أبي؟ وتولى أخوها عبد العزيز الإجابة بعد أن سئم مراوغة الأم والأخوة قائلا: أخبروها بالحقيقة لم تراوغون؟ اسمعي يا حصة ليس لنا أب، أبونا تركنا وذهب بعيدا، عذّب أمنا وحرمنا من خيره الكثير.

نفرت حصة من والدها، ومن الرجال، مما كابدت أمها بسبب الرجال، فاتخذت قرارا: لن أتزوج مطلقا.

نما في قلب حصة يقين بأن الأمهات والنساء يجسدن الطيبة والحنان والرعاية، حين يفتقر الرجال لكل ذلك.

نشأت حصة منغلقة، حملت عزلتها إلى المدرسة، فكانت منطوية بلا صديقات، استعاضت بمكتبة المدرسة، وانغمست في القراءة، ثم شجعتها مدرسة اللغة العربية، التي صارت تقرأ مواضيع انشاء حصة في الصف.

من المدرسة إلى الحركة الوطنية.. حين صار الوعي السياسي طريقا إلى الحب

تروي حصة أنها وعت هي وأخوتها على أحاديث السياسة، وتربوا على الروح الوطنية، كان الحماس السياسي القومي آنذاك يعم الجميع. وفي المدرسة تلقفتها مدرسة اللغة العربية نجوى السورية، التي كانت تطّعم الدرس ببعض المعلومات والمناقشات السياسية، وكانت حصة متميزة في الإجابة على أسئلة المعلمة حول القضايا السياسية، فصارت المعلمة تزودها بكتب للقوميين كساطع الحصري، ثم صارت المعلمة تزور حصة في بيتها، لاحقا اصطحبت زميلة، أو زميلتين، ثم تشكلت خلية. بعد ذلك دعتها المعلمة للانضمام للحركة، فأبدت موافقتها بافتخار أن تنضم لحركة تناهض الإنجليز.

في الصف الرابع أضيفت اللغة الإنجليزية للمنهاج، اعتبرت حصة دراسة اللغة الإنجليزية خيانة للوطن، فأهملتها مما أدى لرسوبها، تفاخرت بكرهها للغة المستعمر. آثرت أن ترسب على أن تتعلم لغة من تكرههم الإنجليز. أنّبها أهلها، وأجبروها أن تدرس اللغة لتنجح في الامتحان، واختير لها أحد معارفهم لتدريسها. كيف هي من تكره الرجال يأتي لها رجل يدرسها، وكان يوسف، كانت مضطربة أن تجلس مع غريب، ترتجف رغم تحفظه ولطفه واحترامه، وهي التي لم تعرف إلا قسوة الرجال وغلظتهم، والدها وجدها مثالان حاضران. مالت إليه، تجاوزت أحاديثهما حدود الدرس، تطرقا للسياسة، التي كانت محور أحاديث الناس حينها. أدهشتها صراحته وشجاعته حين أخبرها أنه انخرط في النشاط السياسي منذ شبابه، وأنه تولى مهمة توعية عمال بابكو بحقوقهم، وحثهم على المطالبة. انجذبت لمعلمها، أحبته وأحبها، حب ليس ثمرة اعجاب عابر، إنما نتيجة لقاءات متكررة وإعجاب بمنظومة أخلاق فاضلة جعلت حصة تغير نظرتها للرجال، ثم جاء الاهتمام بالسياسة المشترك ليعمق هذا الحب. وبدافع حبه لها حذرها، وهما يستهلان الحب ألا تتورط في حبه: أنا سياسي يا حصة حياتي صعبة جدا.

ردت: أنا أيضا سياسية نحن نتقاسم الشغف نفسه.

سألها بعد حين: هل ستقبلين الزواج مني لو تقدمت لطلب يدك.

وجاءه ردها دون تردد: هذه أمنية حياتي.

لكن أمنيتها كادت تجهض بسبب ممانعة أهلها للزواج من يوسف، لأن البون بين الأسرتين شاسع، هي من أسرة ذات نسب وحسب، وهو من أسرة مجهولة الأصل. أصرت أن تتزوج من رأته جديرا بها على الرغم من الفروق الاجتماعية، أبلغت أهلها أنها ستنتحر إن زوجوها غيره. موقفهم لم يتزحزح، خاصة أخوها عبد العزيز المتشدد، موقف أهلها ألهب حبها، انقطع التواصل بين الحبيبين، طالت معاناتها، التحقت بالثانوية، شغلتها معلمتها نجوى بالنشاط السياسي، انخراطها في العمل السياسي منحها السلوان. وانتشلها العصف السياسي الذي هب على البحرين 1965 بعد تسريح عدد كبير من عمال بابكو، حراك شاركت فيه أطياف المجتمع كافة، خرج الجميع في موجات بشرية تهتف ضد الإنجليز، وتأييد جمال.

تقدم يوسف لخطبتها، وأعلنت خطوبتهما، لكن فرحتها أجهضت باعتقال يوسف، وحكم عليه بالسجن سبع سنوات، ونقل إلى جزيرة جدا. حاول أخوتها اقناعها بأن انتظاره هذه المدة الطويلة خسارة من عمرها.

أعلنت حصة لأهلها: فلتعرفوا جميعا أني متمسكة بيوسف حتى وإن أمضى العمر كله في السجن.

وهذا ما قالته لحبيبها عندما التقته في مركز شرطة البديع، حيث ينقل المعتقلون على قوارب من جدا لمقابلة ذويهم: سأنتظرك مهما طال الزمان.

هذا كان ردها حين قال لها: فلنفك عقد القران وامضي في سبيلك.

من حبها استمد طاقته لتحمل عذابات السجن. يخبرنا يوسف لولا إخلاص حبيبته له لتاه ثباته لاهتزت إرادته.

انتظر الحبيبان مرور سنين السجن الثقال، كلما مر عام تساءل كيف احتمل عذابه! أكمل يوسف سنوات سجنه، فرحت حصة فرحة عمرها، وتزوجا في 23 يوليو اليوم الذي حددته حصة لزواجهما، فقد كان هذا شرطها الوحيد عند عقد القران.

نهاية سعيدة ومتفائلة، لقد تحقق حلمهما الذي عجزت الظروف رغم قسوتها أن تجهضه، التقي الحبيبان. تزوجا وأكمل مسيرة الحب والسياسة.

انتهت الرواية بانتصار الحلم، نال يوسف حريته التي ناضل من أجلها، وحصة ظفرت بحبيها الذي تجرعت الصبر في انتظار طويل سبع سنين عجاف، كما نال الوطن استقلالا مشرفا، بفضل الحراك الوطني، والتضحيات الجسام، نال استقالا ثمرة نضال، لم يكن هبة من المستعمر، كما نالت بعض مشايخ الخليج وإماراته استقلالها.

رواية حين رفعت رأسي هي تفاعل وتحالف بين الذات المبدعة الواعية والواقع، هي التزام المبدع تجاه القضايا الاجتماعية والإنسانية والوطنية، هي غوص في أرشيف الحراك الوطني تقليب وثائق مصادره الأولية لاستقاء المعلومة الدقيقة لتقدم سيرة حصة ويوسف رمزين للكفاح في مسيرة شعب لنيل الاستقلال والحرية، فأكسب ذلك الرواية أهمية خاصة لطلاع الأجيال الجديدة على تلك الحقبة مجسدة في عمل إبداعي، سطرتها كاتبة مسلحة بوعي وثقافة واختصاص مما أهلها لإحاطة دقيقة بحقبة مفصلية في تاريخ البحرين، وتقديم ذلك في رواية بديعة غير بعيدة عن اختصاصها كدارسة للتاريخ، ولا عن مسيرتها النضالية، واهتماماتها الوطنية، وبدافع من وعيها أن هذه الحقبة يجب التوقف عندها لسبر أغوارها، نظرا لكونها شهدت بداية تشكل الوعي السياسي والنهوض الوطني والقومي، وعاصرت زخم الحراك الوطني والقومي التحرري، وشاركت فيه.

ما غاب عن الرواية.. جاسم وموزة وحياة المعتقلين في جزيرة جدا

أمران توقفت عندهما، تمنيت لو الكاتبة أولتهما مزيدا من الاهتمام: الأول غياب جاسم شقيق شيخة خال حصة عن المشهد. لا أعرف سببا وجيها لأن يكون جاسم ظلا باهتا، بل نسيا، لم يظهر حتى لما كانت أخته في أمس حاجة لمن يسندها، لم يرافقها حين طردها الوالد من منزله، واضطرت أن تخرج ليلا تحت وابل المطر تبحث لها ولأطفالها عن مأوى؟ ولم يبد موقفا تجاه الظلم الذي تعرضت له من زوجها؟ ما سر موقف جاسم من أخته في معاناتها، إنه عصي على الفهم؟ كيف تنصل من واجبه كونه أخا؟ هل ابتلى بطباع والده! أم آثر ألا يوتر علاقته بوالده الغني طمعا في ثروته! لا أعرف سببا لتواريه عن الأنظار. أيضا موزة أخت حصة الصغرى، آخر العنقود، شيمة شيخة لا تسمح أن تهمل أبنتها موزة، لا تهتم بها كاهتمامها بحصة وأخوتها.

الأمر الآخر تمنيت لو الكاتبة أولته اهتماما أكثر، هو حياة يوسف ورفاقه في جزيرة جدا تحت رحمة الإنجليز، ليتها وظفت بعض ما سجلته في كتابها المهم أحمد الشملان سيرة مناضل وتاريخ وطن، حيث أفردت أكثر من عشر صفحات عن سجن جدا، كان من المفترض أن تتوسع قليلا في الحديث عن تلك المعاناة لتعميم الفائدة، خاصة أن الرواية متوسطة الحجم، وهي أكثر تداولا وإقبالا من كتاب ضخم صفحاته تتجاوز الألف، كان من الأجدى لو أوردت بعض التفاصيل عن حياة المعتقلين، أن تربط مثلا شحوب يوسف، لما رأته حصة في مركز شرطة البديع بالإضراب عن الطعام الذي كرره المعتقلون ثلاث مرات، وأن تعزو حزنه للسجن الانفرادي في زنزانات صماء، يقاوم نزلاؤها الصمت المطبق بالضرب على الجدران لإشاعة بعضا من الإنس، قبل أن يتوصلوا لحفر خرم بسلك لتبادل الأحاديث بينهم.

أظن أن تسائلي مشروع، فمن ترسم هذه اللوحة في نهاية روايتها مثلا: اقتربنا من الشاطئ، ظللنا واقفات نتابع القارب يحمل أحبابنا عائدين إلى جزيرة جدا حتى اختفى، لم تشعر قلوبنا المنفطرة بروعة مشهد الطبيعة على ساحل البديع من حولنا. عبثا سعت زرقة الماء والسماء بجمالهما وهدوئهما لاحتضان قلوبنا الممزقة. كانت الشمس ترجف فوق سطح البحر سائرة ببطء في اتجاه كبد السماء ساكبة ضوءها عله ينير قلوبنا بالصبر والسكينة كانت أشجار البيوت القريبة من الساحل تعج بتغريد العصافير وسطوحها ترسل هديل الحمام .. كل ذلك الجمال لم يفلح في غسل أحزاننا.

لا يستعصي عليها أن تصطحبنا في جولة حول جزيرة جدا، خاصة أن لديها الكثير مما رواه الشملان ورفاقه لها عن إقامته هناك ودونته في أكثر من عشر صفحات في كتابها؟! ربما لم تفعل ذلك رأفة بقلوبنا!

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا