عن الصحافة والثقافة

0
35

الصحافة الثقافية. أي ماذا؟ هل نتكلم عن شيء قائم بذاته، أم نتكلم عن الصحافة؟ وما هي علاقة الثقافة بالصحافة؟ وأين هي الصحافة العربية؟ وعن أي ثقافة نتكلم؟

في مقالٍ قديم ٍ كتبه الروائي والناقد اللبناني الياس خوري إبان الحرب الأهلية طرح كل هذه الأسئلة، والجواب، كما يقول، أن نقفز فوق الحقيقة ونتحدث بأحد وجهين. وجه يستعيد أيام “النهضة” حيث كانت الصحافة هي إحدى الأدوات الثقافية الأساسية، التي جرى فيها تحديث اللغة، وتمت على أرضها عمليات الاقتراب من أنواع أدبية جديدة: الرواية، القصة، المقال إلى آخره … وندعي ان الصحافة العربية تتابع الرسالة، رغم بعض الإنحطاط، أو ننسب الإنحطاط إلى القمع أو النفط، ثم نسكت. أو وجه يرى الصحافة بوصفها إعلامًا، والإعلام اليوم هو فن مستقل، وقد انفصل نهائيًا عن الأدب، ليدخل في سياق آخر، إنه جزء من بناء الأيديولوجية المسيطرة، وهو تاليًا من عناصر القرار السياسي، الذي يتجاوز اليوم الحدود والقارات.

 والدليل على ذلك هو دور “السي أن أن” خلال غزو العراق، حيث كان الخبر – الصورة هو الحدث، وهو جزء من آلية القرار الأمريكي، في عملية تحطيم العراق. وفي هذا السياق، يقول إننا كعرب، خارج هذا العالم الذي يصنعه الكومبيوتر، وأننا لسنا، في الصحافة سوى مترجمين للخبر من مصادره الأجنبية، وأن صحافي أو مثقف هذه الأيام ليس بأفضل حالًا من مثقفي القرن التاسع عشر ووجهائه الذين اشتغل قسم منهم كتراجمة للقناصل … 

هكذا ينتهي الموضوع، ونعفي أنفسنا من عناء البحث عن جواب مقنع أو عن سؤال حقيقي، يمس التعبير الثقافي العربي، وهو يتخذ من الصحافة منبرًا له.

والملفت أننا، في العالم العربي، اقتنعنا بانفصال الصحافة عن الثقافة فأفردنا للثقافة صفحاتها الخاصة، وتركنا الإعلام يصول ويجول على مجمل صفحات صحفنا. أي أننا، ونحن لا نملك إعلامًا، اقتنعنا بأننا نملكه فصرنا مجموعة من المترجمين على الصفحات الدولية من جرائدنا، واكتفينا من الثقافة بصفحة أو نصف صفحة. أما صفحات السياسة الداخلية، فهي مخصصة للمدح بلا وزن ولا قافية، فأحدثنا في الثقافة العربية ما لم يسبقنا إليه الأجداد، وهو تحويل النثر إلى مدح، بعد أن تركنا الشعر أو بعضه يسافر إلى رحلة الحداثة.

السؤال إذن ليس عن الصحافة الثقافية، بل عن الصحافة العربية. كيف تنتج الصحافة العربية وهي محاصرة بالترجمة والقمع ؟ هل هناك مكان لإعلام حقيقي ؟ 

أم أن النظام الدولي الجديد ، وهو يقوم بإلغاء العالم الثالث، فانه يهدف إلى محو كل تعبير في هذا العالم، كي يكون خارج الحضارة، في الدمار والدم والهمجية.

 الصحافة العربية تعيش أزمتها الكبرى. فبعد إنهيار التجربة شبه الليبرالية في بيروت، دخلت الصحافة في مرحلة “الهجرة” داخل شرنقة الأنظمة، إلى أن انتهت التجربة أو تكاد، في شرنقة واحدة، هي شرنقة الأنظمة النفطية، التي تحولت إلى وحش إعلامي مسيطر. وتبدو الصحف اليوم، تملك رئيس تحرير خفيًا واحدًا، فالهجرة لم تكن كما في هجرة الأفغاني بحثًا عن الحرية، بل تحولت إلى وقوع في أسر النفط، وإلى الخضوع الكامل لمنطق التبعية .

أما الصحف التي لم تهاجر، فإنها عاشت وتعيش مأزق الحرب، ومثّلت آخر منابر المعارضة العربية، التي تتلاشى اليوم، بعد أن وسع الوحش النفطي نشاطه، ليحاول الاستيلاء على الصحافة.

في هذا الواقع، ماذا نكتب وكيف ؟

تقول وجهة نظره، في هذا الوصف الذي قدمناه، لا يعفينا من مواجهة حقيقة الخيانة. خيانة المثقفين هي أكثر أشكال الخيانة فداحة. إنها خيانة اللغة.

تستخدم اللغة كي تفرغها من معناها، وتحيلها إلى ركام من اللغو واللا معنى. هي خيانة ليست ناتجة عن الإحباط كما تحاول أن توحي لنا، بل هي مصدر الإحباط. إنها خيانة الاندراج في النصاب الجديد الذي تؤسسه أمريكا وانظمتها المهيمنة على المشرق العربي.

إنها مرحلة جديدة على كل المستويات. والثقافة العربية، هي المستهدف الأول في هذه المرحلة. فالعصر الأمريكي هو عصر محو “الكرامة”. ومن أجل محو الكرامة يجب تصفية الثقافة أو ما تبقى منها.

إن الكتابة المرتبطة بهذا الوحش المعدني هي إلغاء للكتابة، فعدا عن معوقات الرقابة والقمع والإرهاب، تأتي هذه الكتابة لتطلق رصاصة الرحمة على الوجوه المعنوي في المشرق العربي.

فالثقافة في العالم الثالث، وفي العالم العربي، لا تستطيع أن تكون إلا بوصفها معارضة، الاعتراض هو الذي يسمح للثقافة بالتعبير، في مجتمع محروم من إنتاج حياته ونظمه وسياسته، لذلك لا تستطيع الثقافة أن تكون، إلا بوصفها معارضة واعتراضًا ضد الذي يحاصرها بالنفط والقع والخيانة 

المعارضة ليست تبشيرًا. المعارضة تتخذ لنفسها شكل الاقتراب من الحقيقة. إنها تنطلق لتصل إلى الأعماق المطمورة في الذاكرة بهذا الحاضر الذي يجب تغييره، أنها الذاكرة في زمن محو الذاكرة، والحلم في زمن انهيار الأحلام، والرغبة في زمن الرغبات التي تباع في سوق العبيد.

الثقافة هي دفاع عن الكرامة والحق في الوجود. إنها ثقافة البقاء.

والبقاء يحتاج إلى لغة جديدة وإيقاعات جديدة، كي يعلن أن دورة الحياة لا ينهيها جنرال أمريكي متعجرف، أو لغة القمع والوصاية والإرهاب الفكري .

كاتب بحريني وعضو التقدمي