تغريبة المسرح البحريني .. من الجذور إلى الخشبة

0
4

على هذه الجغرافيا الممعنة في الانبجاس من لدن البحر، لا يعدّ المسرح مجرد محاكاة للفعل الإنساني، بل هو ممارسة وجودية تعيد صياغة الهوية في فضاء الضوء والظل.. إنها تغريبة ممتدة، رحلة بدأت من سواحل البحرين حيث كان السيف أداةً للرقص والبطولة، وانتهت إلى الخشبة حيث أصبح العقل هو المبضع الذي يشرّح الوعي.

إن استكشاف جذور المسرح البحريني، حيث يتنقل بنا عبر أزمنة وتطورات ليشكل لوحة فنية تعكس روح البحرين، يدعونا إلى تسليط الضوء على تاريخ هذا الفن وتطوره من الساحات العامة إلى خشبة المسرح وإلى فهم كيف يعكس المسرح البحريني الهوية الثقافية والاجتماعية للبحرينيين، وكيف شكلت شخصياته البارزة مساره.. كما والتحديات التي يواجهها في عصرنا، خاصة تلك المتصلة باللغة المستخدمة، سواء اللهجة المحلية أو الفصحى، ودورهما في تعزيز الثقافة البحرينية ونشرها عالميا، مما يشكل إشكالية مهمة تستحق النقاش والتأمل.

***

قبل أن تعرف البحرين العلبة الإيطالية أو الستائر المخملية، كان المسرح يمارس طقوسه في البراحات المفتوحة وعلى ظهور السفن.. كان السيف في رقصة العرضة هو الأداة الدرامية الأولى.. لم يكن مجرد سلاح، بل كان إكسسوارًا رمزيًا يجسد الصراع والقوة والذود عن الحمى.

في تلك الآونة، كان النّهام على ظهر السفينة هو الممثل التراجيدي الأول، يلقي بوجعه في جوف البحر ليخلق دراما وجودية بطلها الإنسان وخصمها الموج والقدر.. هذا المسرح الفطري هو الطين الأول الذي جبلت منه الحكاية البحرينية، حيث لا فواصل بين الممثل والجمهور، بل هي هالة جماعية تشبه طقوس المسرح الإغريقي القديم.

مخاض التأسيس…

مع مطلع العشرينيات، انتقل الفعل المسرحي من عفوية الساحات إلى صرامة المؤسسة.. كانت مدرسة الهداية الخليفية عام 1919 هي المختبر الأول الذي تحول فيه السيف من أداة حربية إلى أداة تمثيلية داخل نص مكتوب.

بزغت ملامح الفعل المسرحي كـمبضع للوعي الجمعي برعاية التربوي يوسف علي العمران، الذي قاد هذا التحول بقلب الأب وعين الصقر.. وفي هذا الفضاء البكر، ظهر إبراهيم العريض ككاهن للمسرح الشعري، فسكب على الخشبة لغة ترفل بحرير القافية، ليجاوره عبد الرحمن المعاودة الذي روّض وحش التاريخ وألبسه ثوب النص الفصيح، محولًا الماضي من مجرد ذكرى إلى مختبر حيّ لقضايا الحاضر.

عصر المؤسسات…

لم يعد المسرح جهداً فرديًا، بل صار كيانًا عضويًا تتوزع فيه الأدوار.. وهنا برزت البوصلة النقدية للإعلامي محمود المردي، الذي وضع حجر الزاوية لحماية هذا البنيان من التآكل.. ومن رحم هذه البدايات، انطلق الجيل الأول ليحولوا الأحلام إلى واقع ملموس.

 يعد مسرح أوال الرئة الوطنية التي تنفست من خلال رؤى عبد الله يوسف الجمالية، حيث صدح صوت إبراهيم بحر معيدًا صياغة ملوحة السواحل في نبرة وجودية جارحة.. أما مسرح الجزيرة الذي تجلى عبر حضور سعد الجزاف كقلعةٍ تحرس جوهر الكينونة في وجه عواصف التغيير العاتية.. وبينما يظل مسرح الريف مرابطًا عند حدود رائحة التربة وفيًا لطين الأرض وجذور النخيل مع أحمد عيسى يذهب مسرح الصواري بعيدًا في مختبره الطليعي الذي أسسه عبد الله السعداوي ليمارس فعل التشريح الفلسفي للمناطق المعتمة في النفس البشرية محولًا الخشبة إلى مرآة كاشفة لغياهب الوعي.. وحين يعتلي هؤلاء سدنة الخشبة بوقار محمد خليفة ياسين وتكتمل الدائرة الوجودية بحضور القامات النسائية، فإننا لا نعود أمام عرض مسرحي عابر بل أمام انفجارٍ كوني للحياة؛ حيث تتصاعد اللهجة كترنيمة بقاء سرمدية تحرس الذات وتتحول الفصحى إلى أفق ميتافيزيقي يفتح جغرافيا الجزيرة على وجع البشرية جمعاء.

في هذه المرحلة، بلغت التغريبة ذروتها مع تأسيس مسرح الصواري، هنا، لم تعد الخشبة مكانًا للحكي، بل أصبحت مشرحة فلسفية بقيادة الرائد عبدالله السعداوي.. ذهب الصواري بعيدًا في مختبره الطليعي، ممارسًا فعل التشريح للمناطق المعتمة في النفس البشرية، ومحطمًا الجدار الرابع ليجعل من المشاهد شريكًا في الجريمة أو الضحية.

تزامن هذا التحوّل مع هندسة رؤى خليفة العريفي المخرج والمسرحي متعدد المواهب الذي فكك شفرات الإخراج ليجعل من العرض قصيدة بصرية عابرة للحدود.. ومع حضور القامات النسائية الفنية كأحلام محمد، مريم زيمان، وأمينة القفاص وغيرهن، اكتملت الدائرة الوجودية، حيث لم نعد أمام عرض عابر، بل أمام انفجار كوني يعيد صياغة دور المرأة كركيزة في الوعي الجمالي.

معضلة اللسان

يبرز هنا التساؤل الذي يؤرق المبدع البحريني.. هل نعتصم بحميمية اللهجة، تلك التي تعجن اللغة بملح البحر لتستقطر جوهر الأنا المحلية؟ أم نجعل من الفصحى جسرًا ميتافيزيقيًا يعبر بنا إلى رحابة الوجود الكوني؟

إن الانحياز للسان المحلي ليس انغلاقًا، بل هو إنصات لشهيق الأرض.. لكن الفصحى تظل جواز سفر وجداني مختوم بماء الذهب.. والهروب منها خوفًا من أشواك اللحن هو في الحقيقة بتر لأجنحة العرض.. المسرح البحريني اليوم، وهو يعبر فضاءات الرقمية واليوتيوب، يحتاج إلى التدريب اللغوي كصقل للمعدن الخام؛ لتكون الفصحى هي المترجم الكوني الذي ينقل خصوصية الفريج إلى وجع إنساني يسكن كل بيت في العالم.

الخندق الأخير للجمال

وما بين حميمية اللهجة التي تصون ذاكرة النخيل وجلال الفصحى التي تفتح نوافذ الغيب يظل المسرح البحريني، وبين صليل السيف في العرضة القديمة وصرير الخشبة في العروض الطليعية المعاصرة، يظل المسرح البحريني هو الخندق الأخير للدفاع عن الجمال..

إن صمود اللهجة هو وشم الوفاء على وجوه المبدعين، والاحتفاء بالفصحى هو إبحارنا صوب المستقبل، من قلب هذا الأرخبيل الصغير بجغرافيته، العظيم بإرثه، نعلن أن الخشبة هي المختبر الذي ستظل فيه العناصر تتحلل لتعود إلى أصلها.. إنسانًا حرًا، ومبدعًا لا يحده أفق.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا