التنافُس على أصل الحياة

0
2

بقلم : Fredrik Hook

ترجمة: غريب عوض

ربما يكون دارون Darwin قد وصف بشكل مُقنع أصل الأنواع، لكنهُ حَرَصَ على تجنُب الخوض في نظريات حول الحياة نفسها. في المُقابل، عارَض مُعاصِروه الجريؤون علناً نظرية التولد التلقائي، مُستلهمين ذلك من “وصفة الفئران”، من خلال تجارب شاملة على حِساء اللحم. ورغم أن مُثابرة العالِم باستور Pasteur قد أثمرت، إلا أن أصل الحياة لا يزال غامضاً حتى يومنا هذا.

لهذا السبب، لا يقتصر الأمر على وجود القمل، وبق الفِراش، والبراغيث، والديدان الطُفيلية كضيوف وجيران لِبؤسنا، وولادتها من أحشائنا وبُرازنا، بل أيضاً، إذا وُضِعَ قميص مُتسخ في فوهة وِعاء يحتوي على حبوب قمح، فإن الخميرة، التي امتصّها القماش وتحولت بفعل رائحة القمح، تحوّل القمح نفسه – المُغطى بِقشرة – إلى فئران في غضون أيام قليلة.

أعلاه مُقتطف من كِتاب “فجر الطب”، وهو عمل كتبهُ في النصف الأول من القرن السابع عشر الكيميائي والطبيب Jan Baptist van Helmont جان بابتيست فان هيلمونت (1580-1644). في هذهِ “الوصفة للفئران”، طَرَحَ إحدى الحجج العديدة المؤيدة لنظرية الحيوية – وهي النظرية القائلة بأن الكائنات الحية يمكن أن تنشأ تلقائياً من مادة غير حية. أعتقد أنصار الحيوية أن الحياة مُنظمة بشكل هادف، وأنهُ لا يمكن فهمها بمجرد كونها نتيجة لعمليات ميكانيكية. بل إن الحياة محكومة بقوة حيوية فطرية مُعيّنة، تُسمى vis vitalis القوة الحيوية، والتي تُميّز الأحياء عن الأموات.

وبِحلول مُنتصف القرن التاسع عشر، كان من الثابت مُنذُ زمن طويل أن القمل والفئران لا يمكن أن ينشآ تلقائياً؛ فلا بُدَّ لهما من أصل. لكن المجاهر microscopes فتحت عالماً غير مرئي سابقاً من الكائِنات الحية الدقيقة، وفي دِراسات السوائل المُغذية مثل مَرَق اللحم أو مُستخلص التبن، بدأ الأمرُ كما لو أن هذهِ الكائنات الحية يمكن أن تنشأ تَلقائياً – حتى عندما تم تعقيم السوائل المُغذية من خلال التسخين الدقيق.

كان العالِم والطبيب الفرنسي Felix-Archimede Pouchet فيليكس-أرشيميد بوشيه (1800-1872) من أبرز دُعاة نظرية الحيوية. في عام 1859، نشر كِتابه “التغايّر” Heterogenie، الذي زعم فيه تقديم دليل تجريبي قاطِع على إمكانية نشوء الكائنات الدقيقة تلقائياً في سوائل مُغذية مُعقمة. واستند في استنتاجهِ إلى وجود قوة إلهية تُنظّم جميع الكائنات الحية، قوة تجذب المادة الجامدة وتُرتِبُها، وتعمل باستمرار في مواجهة عمليات التحلل. إلا أن استنتاجات الكِتاب تناقضت مع مدرسة فكرية مُتنامية أُخرى، أكدت أن جميع أشكال الحياة، بما فيها الكائنات المجهرية، لا بُدَّ لها من أصل، وأن هذا الأصل قد وصل إلى السوائل المُغذية المُعقمة في تجارب العالِم الفرنسي بوشيه Pouchet عبر جزيئات محمولة جواً مع غُبار.

ولكي نحل مسألة التولد التلقائي، ونحسم النقاشات الحادة المُحيطة بها داخل الأوساط العلمية وخارِجَها، نظّمت الأكاديمية الفرنسية للعلوم مُسابقة عام 1859، عَرَضت فيها ميدالية ذهبية بقيمة 2500 فرنك (ما يُعادل حوالي مائة ألف يورو اليوم) لِعالِم “يلقي، من خلال تجارب دقيقة، ضوءاً جديداً على مسألة ما يُسمى بالتولد التلقائي”. وكان الهدف هو حسم مسألة أصل الحياة، واختيار الفائز من قِبل لجنة من عُلماء بارزين وذوي سُمعة طيبة من مجموعة من التخصصات ذات الصِلة.

في ذلك العام نفسه، ودون أن يكترث على ما يبدو بالضجة التي أُثيرت في فرنسا، نشر تشارلز دارون Charles Darwin عملهُ الرائد “أصل الأنواع” The Origin of Species، الذي تجنّب فيهِ عمداً الخوض في مسألة أصل الحياة. ووجّه اهتمامه بدلاً من ذلك نحو ما يربط جميع الكائنات الحية عبر تاريخ الحياة – التطور – الذي أشار إليه في مُقدِمة الكِتاب بـ “سِر الأسرار”. فبالنسبة لدارون، كان وجود الحياة نقطة انطلاق كافية، وكانت مسألة أصل الحياة خارج نِطاق ما ينبغي على العُلماء المُعاصرين التكهُن بهِ. وكما قال في رسالة إلى صديق لهُ في الجمعية الملكية البريطانية بعد بضع سنوات من نشر تُحفَتهِ: “إن التفكير في أصل الحياة في الوقت الراهن مُجرد هَراء؛ فمن الأجدر التفكير في أصل المادة.”

كان الكيميائي والصيدلي الفرنسي لويس باستور Louis Pasteur (1822-1895) أحد العُلماء الذين خاضوا غِمار هذا المجال، وقد أصبحت تجاربه أمثلة نموذجية في الكُتب العلمية حول كيفية إثبات الفرضيات العلمية من خلال تجارب مُخططة بِعناية، وتكرارها، والتحقق منها. ففي إحدى تجاربهِ الحاسِمة، تم تسخين مرق لحم غني بالعناصر الغذائية حتى التعقيم داخل قارورة ذات عُنق مُنحني ينتهي بِفتحة ضيقة. وتُعرَف هذهِ القارورة باسم قارورة عنق البجعة، وقد تم إغلاقها بإحكام بعد التعقيم، ثم فُتِحت لاحِقاً لتعريض مُحتوياتها للهواء المُحيط. باستثناء استخدام قوارير ذات عُنق البجعة، أجرى فيليكس بوشيه Felix Pouchet تجارب مُماثِلة للغاية، وادّعى أنهُ وجد أن الكائنات الحية الدقيقة يمكن أن تنمو في سائل مُغذي مُعقم بغض النظر عن نوع الهواء الذي تتعرض لهُ: هواء شوارع باريس المُلوث، والهواء الذي تم جمعهُ خلال رحلة استكشافية مُكلِفة إلى نهر مالاديتا الجليدي على ارتفاع 3300 متر – حيثُ كان الهواء يُعتبر نقياً بشكل إستثنائي وخالياً من الحياة المِجهرية – وحتى الهواء الاصطناعي المُدعّم بالأُكسُجين، وهو عُنصر اعتبرهُ فيليكس بوشيه وزُملاؤه أحد الشروط الضرورية للتولد التلقائي

رسم لقوارير عنق البجعة التي استخدمها لويس باستور 1822-1895 محفوظة في أرشيف الإنتر نت

وبتعريض المَرَق المُعقم للهواء الغني بالأكسُجين الذي زعم فيليكس بوشيه أنهُ ضروري لنشوء الحياة، فتح باستور فوهة قارورتهِ الضيقة ذات العنق المعقوف، ورغم أن المَرَق أصبح الآن على اتصال بِأُكسجين الهواء، إلا أن معظم العينات ظلت صافية تماماً وخالية من أي كائنات حية مجهرية. وكلما كان الهواء أنقى (إذا فُتِحت القوارير على ارتفاعات عالية، على سبيل المِثال)، قلّت عينات المرق التي تعكّرت بالكائنات الحية المجهرية. وعندما تم كسر عُنق القارورة بالقرب من قاعدتها، بحيث لامس الهواء السائل مُباشرةً دون المرور عبر العنق الطويل الرفيع، تعكر المَرَق بِسرعة. وحدث الشيء نفسه عندما رُجت قارورة سليمة بحيثُ لامس سائِلُها السطح الداخلي للعُنق. أشارت النتائج إلى أن الجُسيمات المجهرية المحمولة جواً هي حاملات الحياة. فقد ألتصقت بالسطح الداخلي لعنق القارورة بينما مر الهواء المُشبع بالأكسجين، وهو ما كان يصبو إليه باستور، والسبب الرئيس وراء التصميم الذكي للقارورة.

ومع ذلك، دافع فيليكس بوشيه عن استنتاجاتهِ، مُدعياً أن عملية التسخين المُطولة التي أتبعها باستور Louis Pasteur قد أفسدت حيوية المَرَق. لكن عندما ردت لجنة الأكاديمية الفرنسية للعلوم على الانتِقادات بِطلب إعادة التجارب، لم يوافق فيليكس بوشيه Pouchet على ذلك، ما دفع اللجنة إلى تصديق دقة تجارب لويس باستور وإعلان انتصاره بالإجماع. استمر الجدل لبعض الوقت، مدفوعاً جزئياً بوجود كائنات حية في تجارب باستور أحياناً. لم يُحسَم الجدل نهائياً إلا بعد سنوات عديدة، عندما أثبت باستور أن مُعدات فيليكس بوشيه قد تلوّثت بِكائنات مجهرية أثناء التجارب، واكتشف العُلماء وجود (البوغ أو البذرة) (الكائنات المجهرية التي تُحدِث التناسل)، في بعض السوائل المُغذية – وهي مرحلة كامنة مُقاوِمة في بعض الكائنات الدقيقة تسمح لها بالبقاء على قيد الحياة بعد الغليان – إن المعركة يمكن حسمها مرة وإلى الأبد.

حتى دارون Darwin نفسه علّق على مسألة أصل الحياة في ذلك الوقت، وهو أمرٌ نادرُ الحدوث. كتب في رسالة مؤرخة في عام 1871: “لكن لو (ويا لهُ من احتمال عظيم!) استطعنا في بِركةٍ صغيرةٍ دافئة … تَشَكّل مُرَكّب بروتيني كيميائياً، جاهزاً للخضوع لِتغّيُرات أكثر تأثيراً. حتى يومنا هذا لا تزال فرضية دارون Darwin حول بيئةٍ بِدائية غير حية نشأت فيها بِذرة الحياة الأولى مؤثِرة بين العديد من الباحثين الذين يُحاولون الإجابة على مسألة أصل الحياة على كوكب الأرض. ومع ذلك عندما يتحدثون الآن عن هذهِ “البِركة”، فإنهم يشيرون إلى شيء يُقارب عمرهُ أربعة مليارات سنة. بالإضافة إلى ذلك، تم استبدال المُركّب البروتيني الذي تحدث عنهُ دارون في العديد من النماذج بِجزئيات الحمض النووي الريبي RNA ذاتية التضاعف، والتي يُعتَقد أنها بدأت العملية الكيميائية التي لا تزال مُستمِرة في جميع الكائنات الحية المعروفة. وعلى الرغم من كل التقدُم المُحرَز بِإسم العِلم، لم يجر أحد حتى الآن تجرُبة تنشأ فيها الحياة تلقائياً من مادة غير حية. ومع ذلك، في وقت ما، في زمان ما، وُجِدَت الحياة. ولا يزال السؤال حول كيفية حُدُوث ذلك مطروحاً.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا