في عيني
أسلاك شائكة، مرسومة بيد مرتعشة
تهتز كأوتار كمنجة قديمة
لا صوت لها
إلا تردد الدمع.
***
وحين تمسك حبل الليل
يقودك الفضول لتعرف إلى أين يؤدي آخره
لا تخف، امشِ على مهل
دع الظلمة تسبقك
أغمض عينيك إن فزعت
سيختفي كل شيء
وتشعر بيديه الخائرتين، ترتعشان على رقبتك
لا تتوقف، تمسك جيداً
ما العالم في الليل؟ ما الأشياء، ما الأفكار، ما الناس؟
كل هذا سيلتصق بك، مثل طحالب مائية
امض للأبعد،
أنت رمانة الذاكرة
أنت مفتاح الكون
أنت عين العين
خطوة أخرى، لا تضع في الوراء نظرة
أنت تشم الآن أثر الظلام
ومن بعيد، من بعيد جداً
سيلمحك الماشون على حبل الليل
نقطة ضوء صغيرة
سيحسبونها الفجر
وسيتبعونها.
***
وأنا أيضاً أعرف
فمي مفتوح كليل، وعيناي مصباحان ذابلان
كلما اقتربت القيامة تلفتت للوراء
تزعق غربان في شراييني، وريشها يغطي قلبي
أنا كذلك أعرف،
أن توقفي مرتهن بجنّ المخيلة
وأن الصمت جدار أضرب فيه رأسي
لا هو ينهدّ، ولا دمي ينزف.
أعرف، أعرف
لمن هذه الخطى الوئيدة في الظلام
ومتى تحين دقة الساعة القادمة
والضحكة الأخيرة لهم، كيف ستدوّي في أذني
الصدى صيادٌ أطلقه فيعود لي بشباكٍ مقطعة
وأنا أعرف، كالجميع أعرف
أن كلمة واحدة ستفيد في مثل هذه الحالة
لكنها الوحيدة
التي لا أعرف، كيف أقولها.
***
عندما ترتجف يدي
قبل أن يقع القلم منها
قبل ألتفت فزعاً نحو النافذة
التي اصطكت بقوة
أريد أن أهتف
أن أقول -بينما ينهار كل شيء-
يا لكِ من رمشة عين قاسية
أيتها القصيدة.
***
جررت الضوء من قميصه، تشبثت بملابسه
جثوت عند كرسيه العتيق.
عُضني أيها النور الغامض،
أيها اليد الهلامية تمتد في خصلات الزمن، عضني.
قال: أنيابي من ذهاب، وأنت مجيء لا يكتمل
قالت الريح: ابحث عن سواي،
أنيابي مغروزة الآن في النسيان
لا يقتلعها إلا تفتت صخرة القدر من حولها
قالت المرأة الجميلة: لستُ ذئباً لأعضك
قال الحزن: من يجفف دمعك؟
إن ورقةٌ لحمَك، وأنيابي صفير الصمت
قال الأبد، وهو يمسح نظاراته ويدقق في وجهي: ما الجدوى؟
وابتسمت الإرادة عن فمٍ بلا أسنان، ولم تقل شيئاً…
أما الشعر، فقد نظر نحوي مستغرباً،
وهزّ سبابته في وجهي
يا شعر، بأنياب السؤال الحادة
بأضراس السخرية، بأضراس الجهل النقي
عضني، عضني، وأسل دمي،
أجرِه في المصب اللانهائي المهدور
ولا تقل تعبت
فأنيابك في رقبتي،
وعيناك في رعشة الخسارة اليائسة.
***
يفكر المنديل -وهو يهتز برتابة في يد ممثلة السينما الكئيبة، إذ تلوّح به لحبيبها، في مشهد سخيف- أن الحياة ستبدأ حينما تهبّ ريح مفاجئة، فتسقطه في البحر.
إننا خلقنا لنمر ببطء على الأشياء، يقول المنديل، خلقنا لكي تدفعنا الريح في الهباء، تتخللنا، أو يثقلنا الماء ويسحبنا للأسفل، خلقنا لنتحلل في الشمس، بعيداً بعيداً في أي مكان مهمل حتى نتمزق في هشاشتنا. أية عظمة تلك؟! حين تسد الرطوبة مساماتك كمنديل، تمدّ ماءها الخفي في أعضائك كلها، خيطاً خيطاً، فتشعر بالامتلاء، الثقل، الحكمة، التبصّر.
إن حياتنا كمناديل تهدر كل يوم، في الأيدي البشرية، بينما بإمكان صدفة ما أن تغير حياة المنديل الواحد منا، بإمكان صدفة طائشة أن تبعث الحياة في عمرنا البسيط، لنعلق في شجرة مثلاً، أو نسقط في حفرة منسية، لنتكوم بين مجموعة من الحجارة، ونظل نسجّل الصمت الجليل للكون، الهدأة الفارقة، الخلود الهائل للموت.
ينتهي المشهد، فتعيد الممثلة المنديل لحقيبتها، ويختفي صوته، يختفي في رائحة العطر الثمين، ورنين مفاتيح السيارة، وغبار بودرة المكياج، وظلمة الحقيبة التي بلا معنى، الظلمة الكئيبة، كحياة الممثلة الكئيبة، أو حياة المنديل.
****
نحو معدن السماء الكئيب
تدور عيناي الحائرتان،
خرير العتمة الهابط
كصدر نسر باتجاهي،
يخفض بصري
امضغني صداي امضغني
كعشبة الخلود العقيم
أدوس بقدميّ الحافيتين،
ثلج الأبد الزبدي اللزج
في اتجاهك يا بئر اليأس
صوبك أيها العمق الطافح
حاملاً جثة الصرخة الوحيدة
ابنتي المدماة ببحة الخرس
وإذ حدّقت في البئر
وإذ رأيت الأكف المبهوقة
للأحلام القديمة البالية
للصرخات المحمحمة في خفوت
للأعين التي تقاوم الإغماض
ربتت فوق يد الجثة
ومضيت
ثقيلاً عدت
ثقيلاً كالذي تذكر الضوء
مثل الذي دفعة واحدة
رأى.
***
أسمع الاستغاثة
حادة، مضطربة، وكأنها نابٌ في الحديد
بعيدة، وغليظة، أسمعها مثل ضوء مباغت في العتمة
وكلما تبدّت أثقلتني
كلما توضحت، طرحتني في قدمي
كلما تهيأت سحتُ للأسفل
أسمع الاستغاثة
أنا الأعمى في زجاجة القدر العابثة
يطوّح الموج بي
ولن ينقذني غير هذا الصوت البعيد
الاستغاثة المجهولة
تُرى، من أين تجيء؟
***
أكتب على ورقة الصمت العتيقة
كلاماً عتيقاً هو الآخر،
وعندما أمسح الغبار
أجدُ الحروف، تأكل بعضها
والجُملة الباهتة، تسير كقافلة
تنمحي في المجهول.
***
أحياناً، أفتح الكتب لا لأقرأها
بل لكي تخرج الكلمات الحبيسة منذ زمن في الجمل المركبة السيئة، وتستشعر لذة الضياع، لذة العودة إلى حياة القواميس العزباء، حيث لا مسؤولية حمل معنى، ولا التزام بتوصيل رسالة.
***
للشجرة دائماً حياة سرية تحت الأرض
كل هذا الورق، كل الاخضرار، كل هذي القوة في مواجهة الريح، منبعها تلك الحياة السرية في الجذور، ذلك الامتصاص القوي للحياة من أسفلها، الذهاب بعيداً دون استئذان، دون حد، الاحتضان القوي واللانهائي للتراب.
في الرطوبة المعتمة تنمو الشجرة، لأن الكون لم يسمح لها بالعيش كاملة فوق سطح الأرض.


