
“في حضرة الغياب”، كتاب جميل للشاعر المبدع محمود درويش كنصّ يستعصي على الفهم المباشر، لا هو رواية أو سيرة ذاتية ولا هو بشعر، ولكنه كل ذلك في حقيقة الأمر، فالكتاب، رغم قصر المادة التي احتواها، مكثف بشكل كبير، حيث لا يتعدى عدد صفحاته المئة والواحد والثمانين صفحة، علمًا بأن الطبعة الأولى صدرت في العام 2006، فيما صدرت الطبعة التي بين أيدينا في العام 2009.
قرأته للمرّة الثالثة لأستجلي الغموض الذي يكتنفه من حيث المعنى والمبنى، فوجدت أن للشعراء مقدرة لغوية في التعبير لا يستطيع إلا من تبحّر في اللغة الاقتراب منها وسبر أغوار مفرداتها بطبيعة الحال. إنه نص أدبي مزج فيه درويش النثر بالشعر، وعليك أن تُجهد نفسك وعقلك حتى تصل إلى ما يريد إيصاله لك من خلال المحطات الكثيرة التي يمر عليها في حياته منذ مولده في قرية البروة، قرب عكا في الجليل في العام 1941 وحتى غربته في منفاه، وكان عمره حوالي سبع سنوات حين غادرت عائلته مع أحداث النكبة في العام 1948: «هنا وُلدنا، على حافة هذه البئر كما تولد الخبيّزة والهندباء والفيجي. وهنا وُلدت كما يُولد الخيال تدريجيًا من كل شيء، فكيف تعيد الخيال معافًى وتطير على حصان؟.”
بهذه القراءة المتأنية وجدت أن هذا الكتاب أقرب إلى السيرة الذاتية التأملية، وهو كذلك على ما أعتقد لما احتواه من محطات متتابعة في حياة صاحب النص محمود درويش كما أسماه.
يتأمل درويش في واقع الحياة التي عاشها في المنفى، الحب، الحياة، الموت، الغياب، الحنين، السجن، وفي وطنه فلسطين يمر على مدنها عكا، يافا، حيفا، رام الله، غزة وأريحا، ليقول: “يقع الخيال من أعلى، يتدحرج كحبّة كستناء على الشارع المفضي إلى عكا”، ويسأل: ما معنى كلمة “وطن”؟ ويجيب: “هو البيت، وشجرة التوت، وقنّ الدجاج، وقفير النحل، ورائحة الخبز، والسماء الأولى.”
كم هو جميل نعته للمدن الفلسطينية، إذ يقول عن عكا “بأنها أقدم المدن الجميلة/ أجمل المدن القديمة؟ عكا مغامرة ضياعك الأولى، وبحرك الأول.” ورسم الشاعر صورة غزّة في نص جميل: “قلعة محاصرة بالبحر، والنخيل، والغزاة، والجُمّيز. قلعة لا تسقط. غزة هي العزّةُ المُعتزةُ باسمها المُستفزّةُ، بلا انقطاع من صمت العالم على حصارها الطويل.”
يحكي لنا عن عكا، عن سجنه الأول في هذه المدينة، وفي حيفا يقول: “واكتفيت بإلقاء نظرة الطائر على ريشة علقت بشجرة النارنج، سقط الخيال عن الشجرة! فهل لك أن ترفعه قليلًا… قليلًا إلى أعلى!”.
ولكن أين هي عكا ويافا ورام الله والقدس وغيرها من المدن، بل أين هو الوطن؟ فقد اغتصبه الصهاينة وقتلوا وشردوا أهله واستوطنوه واستباحوه، وهنا يعبر بأسى ولوعة عن وطنه، بأنه “انتقل اسم البلاد، بلادنا، إلى اسم آخر. وصار الواقع فكرة وانتقل التاريخ إلى ذاكرة. الأسطورة تغزو، والغزو يعزو كل شيء إلى مشيئة الرب الذي وعد ولم يخلف الميعاد. كتبوا روايتهم: عدنا. وكتبوا روايتنا: عادوا إلى الصحراء. وحاكمونا: لماذا وُلدتم هنا؟ قلنا: لماذا وُلد آدم في الجنّة؟”.
وبعد زيارته إلى غزة يسأل عن الشاعر معين بسيسو: لماذا لم يأتِ معي؟ ليجيب: لم يجدوا له مكانًا في غزة.”فتمتمت: كنا نبحث عن بيت، وصرنا نبحث عن قبر.”
وبفلسفة الشاعر وحدّة تفكيره وبُعد نظره عما يجري حوله وعن أوضاع بلده، عندما عاد في زيارة للمدن الفلسطينية بعد ثلاثة عقود من الزمن، ليقول: “في ذلك الليل المقطّع بالحواجز والمستوطنات وأبراج المراقبة، يحتاج المرء إلى عِلم جغرافي جديد ليعرف الحدود الفاصلة بين الخطوة والخطوة التالية، وبين الممنوع والمسموح، كصعوبة العثور على الغامض والواضح في اتفاقيات أوسلو”.
إذن، اتفاقيات أوسلو في قاموس درويش كانت فخًا نُصب للفلسطينيين للقبول بتجزئة الأراضي الفلسطينية على حساب زيادة المستوطنات الإسرائيلية وحصار ما تبقى من أراضٍ ليعيث المستوطنون اليهود فسادًا وتدميرًا وقتلًا: “الدولة ما زالت نصًا أدبيًا. وتشعر بأن الباب الذي يدلف منه العائدون لا يفضي إلى استقلال ودولة”، وهنا يشير إلى فشل عملية أوسلو للسلام.
أثناء زيارته إلى حيفا لزيارة إميل حبيبي، وبعد اتفاقه معه على تلك الزيارة، يفاجأ بأن الموت لم يمهل حبيبي: “في الساعة الثالثة بعد منتصف الليل أيقظوك ليخبروك أن إميل حبيبي لم يتمكن من الانتظار. لقد فارق الحياة. وعليك السفر إلى الناصرة لتشارك في الجنازة والتأبين. لقد أوصى إميل حبيبي بأن يُكتب على شاهدة قبره: “باقٍ في حيفا”.
يطوف على البلدان التي عاش فيها وما مرّت به من أحداث، لبنان، ليقول: “بيروت نائمة حالمة بيوم آخر. غدًا تحصي قتلاها وجرحاها. وتمددت على هدير الصمت، كلّ شيء يبكي: السماء الواطئة. الرصاص الذي يودّع المقاتلين يبكي. الشوارع تبكي، والشرفات وأطلال البنايات، والشعارات على جدران المدينة تبكي، والمواعيد المرمية في الممكن والمستحيل تبكي”.
يفيض في الاعتزاز بشعبه الفلسطيني ويؤرخ لشموخ المقاومة وقوة تجذّرها في الوجدان وخوف الاحتلال وارتعاده منها والكوابيس التي تؤرقه، إذ يقول:”الأرض الموعودة” صرنا شبح القتيل الذي يطارد القاتل في النوم وفي اليقظة ما بينهما، فيطرب ويكتئب ويشكو من الأرق ويصرخ: “ألم يموتوا بعد؟” كلا… فقد بلغ الشبح سنّ الفطام وسنّ الرشد وسنّ المقاومة وسنّ العودة. الطائرات تطارد الشبح في الهواء. الدبابات تطارد الشبح في البر. والغوّاصات تطارد الشبح في البحر. والشبح يكبر ويحتلُّ وعيَ القاتل حتى يصيبه بالجنون.”
وعن المنفى يستطرد في التأمل بين منفى وآخر ليصل في تأملاته ويقول: “لكلّ منفى طبيعة ولكل منفيّ طبائع. في المنفى تدريب على التأمّل فيما ليس لك، وإعجاب بما ليس لك.”
يستعيد محمود درويش في هذا الكتاب الوطن والطفولة والمنفى والحب ليصبح الغياب طريقًا آخر للحضور، ولهذا يظل درويش حاضرًا كلما قرأنا (في حضرة الغياب). إنه كتاب للذاكرة، ذاكرة الشاعر وغيابه، بين الإنسان وذاكرته، بين الحياة والموت: “أدركت أن الموت لا يوجع الموتى، بل يوجع الأحياء”.


