بدايةً، لا بد لي أن أعتذر عن تأخري في رثاء المناضل العمالي الكبير، والنقابي والحزبي، الصديق السيد جعفر الوداعي «أبو باسل»، وذلك لظروف قاهرة خارجة عن إرادتي؛ إذ شاءت الأقدار أن تفتقد الحركة الوطنية البحرينية، وعلى الأخص «المنبر التقدمي» وتيار جبهة التحرير الوطني عامةً، مناضلين كبيرين خلال أقل من ثلاثة شهور. فالمناضل الأول، وهو أستاذي المربي الفاضل محمد حسين نصر الله، رحل عن عالمنا في 14 يونيو/حزيران الفائت، بينما افتقدنا المناضل الثاني، الصديق النقابي والعمالي السيد جعفر الوداعي، في 30 أغسطس/آب. رحمهما الله برحمته الواسعة، وأسكنهما فسيح جناته، وألهم ذويهما الصبر والسلوان.
ويمكننا القول إن المناضل أبا باسل كان الأول المؤثّر (بكسر الثاء) في تغيير وجه قرية باربار الثقافي والاجتماعي، ونقلها من حال إلى حال آخر مختلف. أما الشخص الثاني المؤثِّر في قرية باربار من بعده، فقد كان بطبيعة الحال الرفيق إبراهيم الجمري، والذي يُعرف في الأوساط الطلابية والاجتماعية في قريته بـ«الأستاذ». ومن خلال الدور المحوري للرفيقين، «أبو باسل» و«أبو خليل»، نشأت نخبة مثقفة تتمتع بالاحترام والتقدير داخل القرية، على تفاوت اهتماماتها السياسية والرياضية، بل وحتى لدى العوام من بسطاء أبناء القرية. كما كان لهما دور كبير في تنشيط المؤسسات الثقافية والرياضية داخل نادي باربار الرياضي والثقافي، وهو النادي الذي اشتهر على مستوى الوطن بتميزه في كرة اليد، ورفع رأس مملكة البحرين عالياً من خلال صبر هذا الفريق ومثابرته في محاولاته للوصول إلى نهائيات المسابقات العربية والعالمية. وكان أبرز إنجاز له في هذا الصدد تبوؤه المركز الثالث على مستوى البطولة الآسيوية للعام 2003/2004.
كما كان المناضل الوداعي يحرص على الحضور في مأتم عائلتهم الكبيرة، «مأتم السيد فاخر الوداعي». وقد عُرف فقيدنا الراحل كذلك ببشاشته، فلم أره في حياتي، طوال سنوات معرفتي به، عابساً أو متبرماً ولو مرة واحدة. وكان دائم الحرص على حضور جلسة لجنة المتقاعدين يوم الاثنين من كل أسبوع، وظل هذا ديدنه حتى الأسبوع الأخير قبيل وفاته. وإلى ذلك، فإن المناضل «أبا باسل» لم يكن يفوّت أي مناسبة نلتقي خلالها دون أن يستذكر سنوات النضال الصعبة التي مر بها ورفاقه.
وبالإضافة إلى لقاءاتي بـ«أبي باسل» في باربار خلال المناسبات العامة، لا بد لي أن أستذكر لقاءاتنا في مجلس المناضل القومي وعضو برلمان 1973، الأستاذ علي ربيعة، الذي كان أحد أعضاء «كتلة الشعب» فيه، والتي لعبت جبهة التحرير الوطني دوراً في تشكيلها. فقد كنا نلتقي صباح يوم الجمعة من كل أسبوع في مجلس ربيعة، حيث تحضر رموز وشخصيات من شتى ألوان الطيف السياسي والديني لشعبنا العظيم، بل ومن مختلف مناطق البحرين. وكان أبو باسل يحرص على حضور هذه العادة الأسبوعية بانتظام، رغم بُعد المسافة بين قرية باربار، الواقعة بالقرب من شارع البديع، والمحرق.
وهنا، لا بد لي أن أستذكر أيضاً المحبة الكبيرة التي كان يكنّها إليه إحدى تلك الشخصيات، ألا وهو المرحوم رجل الأعمال الأستاذ جاسم مراد، الذي كان من أقرب أصدقاء المناضل علي ربيعة، وهو أيضاً زميله في برلمان 1973، رغم وجودهما في كتلتين مختلفتين؛ فربيعة كان، كما أسلفنا، في كتلة الشعب، بينما كان مراد في الكتلة التي أُطلق عليها كتلة «الوسط».
وبالإضافة إلى تلك الأماكن التي كنا نلتقي فيها، فقد كنا نحرص على حضور مجلس المناضل الليبرالي جاسم مراد أيضاً، في مجلسه الكائن بمنطقة القفول، القريبة من منطقة المنامة، والمشهورة بالحديقة المائية، قبالة مستشفى السلمانية تقريباً.
وكان الأستاذ مراد، رحمه الله، بمثابة مكتبة متنقلة في شخص واحد. وهو أشبه، إذا جاز لنا التعبير، بموزّعي المناشير من قِبل مناضلي الأحزاب اليسارية؛ إذ لم يكن يفوّت، لدى مجيئه إلى مجلس علي ربيعة، فرصة طباعة نسخ من آخر المقالات التي قرأها في مختلف المجلات والصحف العربية، والتي يراها جديرة بالقراءة وتعميم الفائدة، سواء كان ذلك في مجلسه الأسبوعي بالقفول، أو لدى زيارة مجلس صديقه علي ربيعة. وإلى جانب ذلك، كان محارباً شرساً ضد الخرافات والشعوذة، ولم يكن يخفي تحفظه على التبرع للصناديق الدينية لتخوفه من طابعها المسيس.
صحيح أن أبا باسل كان متمسكاً بالمبادئ الماركسية كما فهمها وعرفها منذ زمن جبروت الاتحاد السوفييتي، ووجوده على الساحة الدولية مهاباً بوصفه إحدى القوتين العظميين. وصحيح أيضاً أن ثمة تيارات تجديدية اليوم في نهر الماركسية العظيم، لكن ينبغي علينا ألا ننسى أنه لولا الاتحاد السوفييتي لما تشربنا جميعاً الفكر الماركسي الطبقي العظيم، وأن هذه التيارات التجديدية إنما تأثرت بدايةً بالتيار الأول الذي انبثق عنه هذا الفكر. وهذا ما أكدت عليه في جلسة حوارية جادة وصريحة، خلال أحد لقاءات لجنة المتقاعدين بمقر التقدمي. وكان أبو باسل صاحب الفضل الأول في نيل معظم الخريجين شهاداتهم العليا من خلال ترشيح أوراقهم وشهاداتهم لحصة جبهة التحرير لتلك الدراسات.
وليس غريباً، والحال كذلك، وبالنظر إلى طهرانيته الثورية، أن يمتلئ مقر التقدمي بهذا العدد المهول من الحضور، الذين كان ثلثهم واقفاً أو جالساً في قاعة الاستقبال، مستمعاً إلى الكلمات التي أُلقيت من قبل أفراد عائلته، بل ومن مختلف رموز وقيادات الجمعيات السياسية الوطنية.


