احتفلت مملكة البحرين، ممثلةً في وزارة التربية والتعليم وجميع المؤسسات التعليمية، في الخامس من أكتوبر بيوم المعلم العالمي، الذي أُقرّ رسمياً عام 1994 برعاية منظمة اليونسكو. ويصادف هذا اليوم الذكرى السنوية لاعتماد توصية اليونسكو ومنظمة العمل الدولية لعام 1966 بشأن أوضاع المدرسين وحقوقهم ومسؤولياتهم. ولا شك أن الهدف الأساسي من هذا الاحتفال هو تقدير الدور العظيم الذي يؤديه المعلمون في بناء الأجيال، ومناقشة سبل دعمهم وتحسين ظروف عملهم وتعزيز مكانتهم في المجتمع، بما يشمل تحسين أوضاعهم المهنية، والارتقاء بمستويات أجورهم، وضمان التقدير المادي والمعنوي لجميع العاملين في قطاع التعليم.
وهذا ما يستدعي وقفة جادة من جميع الأطراف، بما فيها الجهات التنفيذية والمؤسسات الأهلية والمجتمعية، لا سيما فيما يتعلق بالعاملين في القطاع الخاص، حيث يواجه معلمو هذا القطاع العديد من التحديات البارزة، من أبرزها:
1. ضعف الأجور:
وفقاً لبيانات وزارة التربية والتعليم لعام 2023، بلغ عدد العاملين في مهنة التعليم بالقطاع غير الحكومي (القطاع الخاص) 8,439 معلماً ومعلمة، بواقع 7,362 معلمة و1,113 معلماً. وتشير إحصائيات هيئة تنظيم سوق العمل إلى أن متوسط الأجور في هذا القطاع يبلغ نحو 666 ديناراً للبحرينيين العاملين في هذا القطاع، وهو ما يكشف عن تفاوت ملحوظ في مستويات الأجور، ويثير تساؤلات بشأن العدالة في تقدير جهود المعلمين، خصوصاً عند المقارنة بالعاملين في القطاع الحكومي، الذين تبدو ظروف عملهم وساعات دوامهم أفضل بكثير.
2. المفاهيم المغلوطة حول الكفاءة البحرينية:
تترسخ لدى بعض إدارات المؤسسات التعليمية الخاصة وأصحابها مفاهيم خاطئة تقوم على افتراض أفضلية المعلمين الأجانب على الكفاءات البحرينية في التدريس عموماً، وفي تدريس المناهج الأجنبية خصوصاً. ومع الأسف هناك شريحة غير قليلة من المواطنين وأولياء الأمور تنطلي عليهم هذا الافكار المغلوطة، وهو تصور يستدعي المراجعة والتصحيح، إذ لا يمكن اتخاذ الجنسية معياراً للحكم على الكفاءة المهنية أو أساساً للمفاضلة بين المعلمين.
فالمعلم البحريني لا يقل كفاءة عن المعلم الأجنبي، بل يمكن أن يتفوق عليه متى أُتيحت له الفرصة العادلة، وحصل على التدريب والتأهيل المناسبين. فالكفاءة في التدريس ترتبط بالمؤهلات العلمية والمهارات المهنية والخبرة والتطوير المستمر، ولا ترتبط بجنسية المعلم. ومن ثم، فإن الأولى هو منح الكفاءات البحرينية فرصتها المستحقة لإثبات قدراتها، والاستثمار في تدريبها وتأهيلها، بدلاً من التقليل من إمكاناتها أو تفضيل المعلم الأجنبي عليها دون الاستناد إلى معايير موضوعية.
وهذا يتطلب موقفاً واضحاً من الجهات المعنية في وزارتي العمل والتربية والتعليم، إضافة إلى صندوق العمل (تمكين)، الذي ينص قانون تأسيسه على هدف أساسي يتمثل في تمكين المواطن البحريني ليكون الخيار الأمثل والأنسب للتوظيف في سوق العمل. كما تمثل هذه القضية مسؤولية مجتمعية تستدعي تصحيح المفاهيم السائدة بشأن قدرة البحريني على استيعاب العلوم والمهارات والإبداع فيها، بما في ذلك مهارات التدريس والتعليم في مختلف المراحل والقطاعات، بدءاً من رياض الأطفال وصولاً إلى أعلى المراكز والتخصصات الجامعية.
3. ممارسات التمييز الوظيفي:
تعمد بعض المدارس الخاصة إلى توظيف البحرينيين بمسمى «مساعدي مدرسين»، على الرغم من امتلاكهم مؤهلات علمية لا تقل شأناً عن مؤهلات زملائهم غير البحرينيين الذين يُعيّنون مدرسين أساسيين. ويمثل هذا الوضع شكلاً من أشكال التمييز الوظيفي الذي يتعارض مع مبدأ تكافؤ الفرص، ويتنافى مع القوانين والمبادئ التي تحظر التمييز في مجال العمل بمملكة البحرين.
إن هذه التحديات ليست سوى غيض من فيض، ومن أجل أن يحقق يوم المعلم العالمي مراميه وأهدافه في إرساء العدالة والإنصاف للعاملين في هذا القطاع، لا بد من تضافر الجهود المشتركة بين جميع الأطراف المعنية. فإلى جانب الدور المحوري للجهات الرسمية، وفي مقدمتها وزارتا العمل والتربية والتعليم وصندوق العمل (تمكين)، تقع مسؤوليات لا تقل أهمية على عاتق مؤسسات المجتمع المدني، وفي مقدمتها التنظيمات والاتحادات النقابية، التي تُعد حماية حقوق العاملين في هذا القطاع والنهوض بأوضاعهم المهنية والمعيشية في صميم أهدافها وواجباتها.
كما تتكامل هذه الجهود مع دور المؤسسات الفكرية والثقافية والصحافة في دحض المفاهيم المغلوطة السائدة لدى قطاع غير قليل من المواطنين بشأن قدرة الكفاءة البحرينية على تحمل مسؤولية التعليم والإبداع فيه بجدارة واقتدار.


