اختبار الوحدة

0
47

في الأزمات الكبرى، تميل المجتمعات بحسب علم الاجتماع إلى “تضييق الدائرة” بحثاً عن الأمان؛ من الوطن إلى الجماعة الأصغر فالأصغر. محلياً، يتكرر مشهد التباين في المواقف عند كل منعطف، بما يكشف أن المشكلة ليست في الحدث، بل في بنية الثقة داخل المجتمع.

تفسّر نظريات الهوية الاجتماعية أن الأفراد ينحازون في الأزمات إلى الإطار الذي يشعرون أنه يمثلهم ويحميهم. فإذا كانت الهوية الوطنية جامعة ومستقرة، يتوقف الانحياز عندها. أما إذا كانت غير ذلك أو غير مكتملة الاندماج، فإن الفرد يعود إلى هويات فرعية. لذلك، فإن غياب الاصطفاف الكامل لا يعني غياب الانتماء، بل يشير إلى حاجة هذا الإطار الوطني إلى مزيد من التعزيز.

التجارب متوفرة في شرق العالم وغربه وشمالاً وجنوباً وهي تقدّم درساً واضحاً مفاده بأن المجتمعات التي نجت من أزمات كبرى لم تفعل ذلك إلا عندما نجحت في بناء حد أدنى من الوحدة الوطنية، بحيث يُنظر إلى التهديد على أنه يستهدف الجميع دون استثناء. هذه الوحدة لا تعني إلغاء الاختلاف، بل تعني تأجيله أمام الخطر المشترك، وتحويله إلى نقاش مؤسسي بعد تجاوز الأزمة. في المقابل، فإن استمرار الانقسام أثناء الأزمات يضعف الجبهة الداخلية ويضاعف كلفة المواجهة.

في الحالة البحرينية، لا يمكن فصل الحاضر عن الماضي. أحداث وتراكمات سابقة لم تُغلق اجتماعياً بشكل كامل، وبقيت سردياتها متباينة، ما يجعلها تعود إلى السطح عند كل أزمة. كما أن الثقة في المؤسسات تلعب دوراً حاسماً؛ إذ إن الالتفاف حول الدولة لا يُفرض، بل يُبنى عبر شعور متراكم بالعدالة والتمثيل والشفافية.

تعزيز الوحدة الوطنية مسؤولية مشتركة، يبدأ من الدولة بوصفها الإطار الجامع. ويتطلب ذلك خطوات واضحة، في مقدمتها التعامل الحازم والمتساوي مع خطابات الكراهية والتحريض، وتعزيز العدالة في الإجراءات والفرص، والعمل على إغلاق الملفات العالقة بطريقة متدرجة ومسؤولة، إلى جانب تبني خطاب وطني جامع لا يقصي أحداً. في المقابل، تقع على المجتمع بمختلف مكوناته مسؤولية إدراك أن اللحظات الحرجة تتطلب تغليب المصلحة العامة، وأن الاختلاف مشروع وصحي طالما لا يتحول إلى خلاف بحيث يصبح عاملاً لإضعاف الداخلي في قبالة التهديد الخارجي. فالوحدة الوطنية ليست شعاراً يُرفع عند الحاجة، بل هي شرط أساسي للنجاة. والأزمات لا تصنع هذه الوحدة، بل تختبرها. ومن دون بناء حقيقي للثقة، ستظل كل أزمة مناسبة جديدة لظهور الانقسام، بدلاً من أن تكون فرصة لتعزيزه.