حرية الاعلام في الدولة الأمريكية البلوتوقراطية

0
6
محمد الصياد

أمريكا أسسها الأثرياء. وظلّت خاضعة لحكم أقلية من كبار أثريائها الفاحشين، منذ قيامها في 1776، حتى اليوم، حيث يتربع على سدة الحكم فيها أحد كبار نخبتها الثرية الذي دخل السياسة من بوابة البزنس والاثراء الذي تؤمنه مؤسسة الحكم لحفنة منتخبة من علية القوم في قطاعات المال والأعمال؛ وهو هنا دونالد ترامب. دعك من نعوت الديمقراطية والليبرالية التي تخلعها نخبتها الثرية الحاكمة (على ضفتي السلطة، التنفيذية والتشريعية)، على نفسها، سواءً على ألسنة أعضاء هذه السلطة الذين لا يملون من لوك كلماتها برطانة قشيبة، أو على ألسنة وأقلام جحافل العاملين المأجورين في وسائط الميديا الدعائية السائدة (أو الموالية).

أمريكا في حقيقتها السطحية والعميقة – كما هو تاريخها منذ قيامها – هي بحسب أحد المصطلحات الذائعة، “بلوتوقراطية” (Plutocracy). مصطلح استُخدم لأول مرة في عام 1631 للدلالة على دولة تكون فيها الطبقة الحاكمة فاحشة الثراء، وتكون فيه درجة التفاوت الاقتصادي مرتفعة، بينما يكون مستوى الحراك الاجتماعي فيها خفيضًا. وفي التاريخ، أن بعض كبار الساسة والمفكرين العالميين، مثل المؤرخ وعالم الاجتماع الفرنسي في القرن التاسع عشر أليكسيس دو توكيفيلي، والمفكر السياسي الاسباني المناصر للمَلَكية في القرن التاسع عشر جوان دونوسو كورتيز، والمفكر الأمريكي المعاصر نعوم تشومسكي، أدانو بشدة “البلوتوقراطيين”، لعدم اكتراثهم بالغالبية الساحقة من مجتمعاتهم، واستخدام نفوذهم ومصادر قوتهم لخدمة أهدافهم ومصالحهم، ومن ثم التسبب في زيادة الفقر وتأصيل الصراع الطبقي، وافساد المجتمعات بالجشع والانغماس في المتع والملذات.

من أُطلق عليهم “الآباء المؤسسون”، لم يكونوا سوى مجموعة من أصحاب المزارع ورجال الأعمال الأثرياء الذين قادوا التمرد ضد الحكم البريطاني الاستعماري ونجحوا في توحيد 13 مستعمرة. ويُنسب لأحد المؤرخين الأمريكيين، قوله أن السبب الرئيسي وراء ثورتهم على المستعمرين البريطانيين، كان السعي لزيادة غلتهم من المال، وليس الحرية السياسية. فقد كان المستعمرون الانجليز يمارسون المذهب الميركانتيلي/التجاري الذي لم يكن يسمح للمستعمرات أن تتاجر قانونيا إلا مع بريطانيا فقط. وكان محظورًا عليها المتاجرة مع الدول الأخرى وكذلك مع سكان أمريكا الأصليين من قبائل الهنود الحمر. فكان أن سعى المؤسسون لاقتناص هذا الامتياز لأنفسهم، فقد كان نصفهم من أصحاب المزارع، وثلثهم من المضاربين في الأراضي.

جورج واشنطن (George Washington, 1732-1799)، أول رئيس أمريكي (انتُخب في 1789)، كان اقطاعيا كبيرًا، يملك مزارع ضخمة في فرجينيا ويمتلك مئات العبيد. وقد استاء من الضرائب والقيود المختلفة التي فرضها التاج البريطاني على المستعمرات. لهذا شارك العديد من هؤلاء المؤسسين في الثورة ضد الانجليز بهدف منع الغاء العبودية، حيث كانت انجلترا قد ألغت العبودية في امبراطوريتها تحت ضغط حركة قوية نادت بالغائها. جمع جورج واشنطن مساحات شاسعة من الأراضي زادت على 50,000 فدان عند وفاته، من خلال المضاربة في الأراضي الحدودية التي مسحها. واختار الزواج من أغنى الأرامل في فرجينيا، وقام بالتوسع في زراعة المحاصيل الزراعية في اقطاعياتهما (هو وزوجته) في ماونت فيرنون، وتحول من من زراعة التبغ إلى زراعة القمح، وأنشأ معملا لتقطير الويسكي، ما عظّم من ثروته.

ألكسندر هاملتون (Alexander Hamilton, 1755 or 1757-1804)، وهو أحد أولئك المؤسسين، لم يتردد لحظة في استغلال منصبه كأول وزير خزانة في أمريكا، لإصدار أمر للحكومة الفيدرالية الجديدة بسداد ديون جميع الأثرياء في الولايات المتحدة. وشمل ذلك نفسه ومعظم المؤسسين الآخرين. وهو ما زاد من ثرواتهم بشكل كبير.

بنيامين فرانكلين (Benjamin Franklin, 1706-1790)، نجل صاحب صناعة الصابون، كان رجل أعمال ومضارب في الأراضي. جمع ثروته بطرق لا حصر لها. فإلى جانب عمله المزدهر في طباعة كل شيء من الكتب إلى الخطب إلى العملات، فقد استثمر أيضا في 89 عقارا خصصهم للإيجار في مدينته فيلادلفيا، وفي المضاربة على الأراضي في الغرب الأمريكي. وقبل الثورة على الانجليز، كان فرانكلين واحدًا من أغنى أثرياء العالم.

جون هانكوك (John Hancock, 1736-1793)، الذي عاش مع عمه التاجر في بوسطن، تخصص بعد تخرجه من هارفارد في أعمال الاستيراد والتصدير التي كانت تديرها عائلته، ووسعها لتشمل بناء السفن التي تحمل زيت الحيتان إلى بريطانيا وتعود محملة بالسلع الاستهلاكية لسلسلة متاجر التجزئة الخاصة به.

 توماس جيفرسون (Thomas Jefferson, 1743-1826)، هو الآخر تزوج من ابنة تاجر رقيق ثري.

لقد كان معظم “الأباء المؤسسين”، أغنياء من قبل أن يقرروا التمرد على الدكتاتورية الاقتصادية للمستعمر البريطاني. كان المؤسسون الجنوبيون مرتبطين ببريطانيا باعتبارها سوقًا لتبغهم، وكانوا مديونون للوسطاء البريطانيين الذين كانو يسوّقون تبغهم هناك، والذين استوفوا أوامر الشراء الخاصة بهم. وكان النبيذ الذي يستهلكونه والأثاث والصيني والأواني الزجاجية، كلها تأتي من بريطانيا.

بحسب “24/7 Wall St.”، وهي شركة أمريكية أُنشئت في 2006، مقرها ولاية ديلاوير تعمل في مجال الأخبار والآراء المالية وتنتج محتوى لعدة مواقع اخبارية، منها “MarketWatch”، و”DailyFinance”، و”Yahoo! Finance”، و”TheStreet.com” – فقد بلغت تقديرات ثروة جون آدامز
(John Adams, 1735-1826)، وهو ثاني رؤساء أمريكا، 21.5 مليون دولار بأسعار اليوم. كما أن زوجته أبيجيل آدامز، تنتمي لعائلة ثرية من ماساتشوستس. بينما قدرت صافي ثروة جيفرسون الناتجة عن وراثته لاقطاعيات من والده جون جاي، بـ 239.7 مليون دولار بالأسعار الحالية. وبحسب مؤشر سجلات العبودية في نيويورك “New York Slavery Records Index” (مجموعة من السجلات تحدد هوية الأشخاص المستعبدين وأصحابهم، بدءًا من عام 1525 وانتهاءً بالحرب الأهلية، أنشأته كلية جون جاي للعدالة الجنائية)، كان جاي يمتلك العديد من العبيد. كما أن والده وجدّه استثمرا في تجارة الرقيق. وقد كان جده يمتلك 11 سفينة، نقل فيها 108 من العبيد، بينما نقل والده في السفن السبع التي امتلكها، 46 عبدًا1.

وبحسب نفس المصدر (24/7 Wall St)، فقد بلغ صافي ثروة “الأب المؤسس” جيمس مونرو
(James Monroe, 1758-1831)، نحو 30.7 مليون دولار بسعر الصرف السائد للدولار في الوقت الراهن، وإن زوجته كانت من عائلة ثرية، والدها كان أحد القراصنة الأثرياء. وجمع هذا “الأب المؤسس” ثروته من مزرعته المسماة هايلاند. ووفقًا لموقع المتحف على شبكة الإنترنت لمنزل هايلاند، فقد استعبد مونرو ما يصل إلى 250 شخصًا2.

*****

لهذا، حين يناظر الباحث هذه الوقائع التي لا يقاربها تيار الاعلام الغربي التابع أو السائد
(Main stream media – MSM)، يصبح من الصعب عليه فهم اسباغ مختلف أجهزة البروبوغاندا التابعة للنخبة الأمريكية الحاكمة، صفة “الآباء المؤسسين” على تلك الثلة من الرجال التي تضررت تجارتها في التبغ والرقيق والمنتجات الزراعية، تصديرًا وتوريدًا في الدولة البريطانية التي كانت تسيطر على الأراضي الأمريكية، فتمردت على مستعمرها. كيف للاعلام السائد أن يتحدث بسوء عن أسياده وأولياء نعمته، وهو الذي لا يعدو أن يكون ترسًا صغيرًا – على أهميته الاستثنائية – في الماكنة الضخمة للدولة البلوتوقراطية التي أنشأها وصممها وشكّلها “الآباء المؤسسون” على مقاس مصالحهم ومطامعهم، ومصالح ومطامع طبقة الأثرياء التي توالت على وراثة السلطة والثروة في الدولة الأمريكية التي أشادوها.

يُعد الكاتب والصحافي وصانع الأفلام الوثائقية الأسترالي، جون ريتشارد بيلجر (John Richard Pilger)، الحائز على جائزة إيمي، أحد أكبر الأسماء اللامعة في الصحافة الاستقصائية (Investigative journalism)، وأبرز صناع الأفلام السياسية في القرنين العشرين والحادي والعشرين، تناول فيها نضال الشعب الفيتنامي وحرب التحرير التي خاضها ضد الاحتلال الأمريكي، ونضال الشعب الفلسطيني ضد الغزاة والمحتلين الصهاينة، وتهديدات ومخاطر الحرب النووية. وكلها أعمال ناقدة بمرارة للإعلام الغربي وكاشفة لابتذاله وانحيازاته الامبريالية الفاضحة. في 18 يناير 2018، أجرى الناشط والاعلامي والممثل الكوميدي الأمريكي راندولف أ. كريديكو (Randolph A. Credico)، والكاتب الصحافي الأمريكي المعروف دينيس جيه بيرنشتاين “Dennis J. Bernstein” (تم اختياره من قبل “Pulse Media” كواحد من أفضل 20 شخصية إعلامية عالمية لعام 2009) – أجريا لقاءً مع جون ريتشارد بيلجر، دار حول بعض القضايا الملحة في ذلك الوقت، لاسيما الإخفاقات المتعددة للقائمين على الصحافة التجارية الولائية، في تأجيج نار فضيحة روسيا جيت الزائفة، وتجاهلهم للهجمة الارهابية الفاضحة التي تعرض لها جوليان أسانج من قبل الحكومات الغربية، متصرفين كمدعين عامين أكثر منهم كصحفيين، تقع على عاتقهم مسؤولية مراقبة مراكز السلطة ونقل المعلومات إلى الشعب. وقد نقل الصحفيان في المقابلة عن بيلجر قوله: “لقد تغير شيء ما. فرغم أن الإعلام كان دائما امتدادا فضفاضا لسلطة رأس المال، إلا أنه أصبح الآن شبه مندمج تماما معها. فالمعارضة، التي كانت مقبولة في الإعلام السائد، تراجعت الآن إلى حالة من الاحتقان المجازي مع توجه الرأسمالية الليبرالية نحو شكل من أشكال ديكتاتورية الشركات. ويزداد الأمر سوءا بمعدل هائل، لقد تحمل جوليان أسانج (Julian Assange) شخصيا وطأة هذا التحول التاريخي. فلقد كشف هو وويكيليكس الكثير، وهذا أمر لا يُغتفر. لا شك أن ما فعلته ويكيليكس هو أهم عمل لصحافة الكشف في حياتي. في جميع أنحاء العالم، انكشف سياسيون دأبوا على خداع الجمهور بسبب ما كشفته ويكيليكس. إنه إنجازٌ عظيم. لذلك وُجّه الغضب إلى جوليان من قِبل أشخاص في وسائل الإعلام، ممن أحرجتهم وفضحتهم ويكيليكس. لأن ويكيليكس قامت بالعمل الذي كان ينبغي للصحفيين القيام به لسنوات عديدة. لقد فعلت ويكيليكس ذلك على نطاق واسع، وفضحت أولئك الذين يتقاضون أجرا للحفاظ على دقة السجلات. وهذه هي جريمة أسانج. ولطالما كانت شبكتا CNN وNBC وبقية الشبكات، صوت السلطة الصادح والفاقع، وكانت مصدرًا للأخبار المشوهة والمضللة. هؤلاء الأشخاص المتسلطون في التيار الاعلامي السائد، كانوا وسيبقون امتدادًا للسلطة التي أفسدت جزءًا كبيرًا من كياننا السياسي. وكانوا، وسيظلون مصدرًا للعديد من الأساطير”3.

*****

عمر الصحافة الملوَّثة (والملؤِّثة) في أمريكا من عمر الدهاليز الافعوانية لبنيان الدولة التي أشادها “الآباء المؤسسون”. الى ما قبل الحرب الإسبانية الأمريكية عام 1898، بسنوات، كان توصيف الصحافة الصفراء قد شاع استخدامه بسبب موالاتها للدولة التي زينت نفسها بيافطة الديمقراطية كمقاربة “حضارية غربية”، في حين أنها شرعت منذ ذلك الوقت لتبرير وتغذية الطموحات التوسعية للطبقة الأمريكية الحاكمة في غزو واحتلال كوبا والفلبين الخاضعتين في ذلك الوقت للاستعمار الاسباني. حيث شنت حملة ركزت على اظهار الجوانب المأساوية للحكم الاسباني في البلدين. وكانت الصحافة الصفراء قد أوقدت النار وسوقت للجدوى الاقتصادية والاستراتيجية لخطاب الحرب الذي أطلقه صقور طغاة أمريكا الصاعدون ومنهم تيدي روزفلت وزير البحرية في الحكومة الأمريكية آنذاك. شُنت الحرب على اسبانيا في كوبا في 1898، وألحقت الهزيمة بها واحتل الأمريكيون كوبا. كما احتلوا الفلبين في نفس العام.

كان الاعلام الأمريكي الدعائي حاضرًا ومواكبا على الدوام للطموحات الامبريالية الأمريكية التوسعية. فقد دعم الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، تماما مثلما دعم حرب غزو واحتلال كوبا سنة 1898. ومثلما شُنت الحرب لاحتلال كوبا والفلبين بذرائع كاذبة، كذلك هو الحال بالنسبة للحرب العدوانية ضد العراق. كان الرئيس جورج دبليو بوش وحاشيته مهووسون بترداد الأكاذيب عن علاقة الرئيس العراقي صدام حسين بهجمات الحادي عشر من سبتمبر، وإطلاق شائعة تطوير العراق للأسلحة النووية. وقد سارت وسائل الإعلام الأمريكية في هذا الاتجاه دون تردد أو حتى اثارة بعض الأسئلة؛ مبررة موقفها بالدفع بفرضية أن الإدارة الأمريكية على دراية بما تفعله. وشُنت الحرب وتم اسقاط نظام صدام حسين وحزبه الحاكم. وارتكبت القوات الأمريكية والبريطانية الغازية على الفور مذبحة دموية راح ضحيتها أكثر من نصف مليون عراقي، ونفذت فرق الموت المسلحة المدعومة من قوات الاحتلال الأمريكية، عملية تطهير دموية ضد أعضاء حزب البعث العراقي الحاكم، لم توفر لا المعلمين ولا حتى الموظفين الحكوميين. المثير، أنه سرعان ما اتضح زيف ادعاء الرئيس بوش بشأن الأسلحة النووية في العراق. كما اتضح في النهاية أن نظام الاحتلال الأمريكي فشل في إعادة هيكلة العراق ليصبح “شريكا مستقرًا مواليًا لأمريكا”، حسبما ذهبت سردية الاعلام الأمريكي الموالي. فقط بعد هذه الفضيحة الكبرى، بدأت وسائل الإعلام الأمريكية، محاولة مدارة مشاركتها في الجريمة بعد وقوف الرأي العام على حقيقتها، فاختارت تنفيس حماستها لهذه المغامرة الفاشلة ومحاولة كنس قاذوراتها.

أودو كونستانتين أولفكوت (Udo Konstantin Ulfkotte, 20 January 1960–13 January 2017)، صحفي وكاتب ألماني عمل في صحيفة فرانكفورتر ألجماينه تسايتونج (Frankfurter Allgemeine Zeitung) اليومية الألمانية من عام 1986 حتى عام 2003. ومنذ نهاية التسعينيات، نشر العديد من الكتب التي كرسها للدفاع المتهالك عن المواقف الشعبوية اليمينية والإسلاموفوبيا وتسفيه وقائع جرائم الامبرياليين ووصفها بنظريات المؤامرة. وإذا كان من أثر طيب تركه هذا الصحافي المرتزق قبل وفاته، فهو اعترافه بأن الصحفيين، بمن فيهم هو نفسه، والصحف الغربية “الرائدة”، نشروا موادا تم إطعامها لهم، أو شراؤها، من قبل وكالة المخابرات المركزية وغيرها من وكالات الاستخبارات والدعاية الغربية4.

في عام 2014، نشر أولفكوت كتابًا بعنوان “الصحفيون المُشتَرَوْن” (الذين تم شراؤهم)، تحدث فيه عن كيفية سيطرة الساسة ووكالات الاستخبارات ومؤسسات التمويل، على وسائل الاعلام الألمانية؛ وكيف كانت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) وأجهزة المخابرات الغربية الأخرى، تدفع أموالًا للصحفيين لتغطية أخبارها في سياق معين. وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) والمخابرات الألمانية (BND) – بحسب أولفكوت – تدفعان رشاوي للصحفيين في ألمانيا لكتابة مقالات دعائية مؤيدة لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، ومن لا يمتثل للأجندة المؤيدة للغرب من الصحفيين، يفقد وظيفته الإعلامية. وهذا، كما قال، جزء من نمط أوسع من الفساد الإعلامي الذي سلط عليه الضوء في كتابه. وقد صدرت ترجمة إنجليزية للكتاب تحت عنوان “الصحفيون البغايا المدرجون على قائمة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية للرواتب: اعتراف من المهنة” (Presstitutes Embedded in the Pay of the CIA: A Confession from the Profession)5.

الكتاب شكل صدمة للمافيات الاعلامية في أمريكا وأوروبا، وللأجهزة الأمنية الغربية المنغمسة كليا في إدارة وتوجيه الخطاب الاعلامي الغربي. فكان من الطبيعي أن يواجِه الكتاب غضبًا ورفضا نزِقا من قبل العديد من وسائل الاعلام الغربية. لأن الواشي “Whistleblower”، انسل هذه المرة من بين صفوف النخبة الصحافية المجندة، ماليا وأيديولوجيا، لخدمة الأجندة الرأسمالية الغربية التوسعية؛ وراح ينشر، من موقع المعايشة والممارسة، غسيلها على الملأ، كما ينطق بذلك اعترافه، الذي أراد به، على ما يبدو، التكفير عن ذنوبه والاستغفار من الأنسانية التي أساء اليها وألحق الضرر بها. يقول أولفكوت: “لقد عملت صحفيًا لنحو 25 عامًا، وتعلمت الكذب والخيانة وعدم قول الحقيقة للجمهور. وبالنظر إلى الطريقة التي تحاول بها وسائل الإعلام الألمانية والأمريكية خلال الأشهر الأخيرة جلب الحرب إلى الشعوب في أوروبا، وجلب الحرب إلى روسيا، فهذه بالنسبة لي نقطة اللاعودة، وسأقف وأقول إنه لم يكن صائبًا ما فعلته في الماضي، التلاعب بالناس، وصنع الدعاية ضد روسيا، وليس من الصواب ما فعله زملائي في الماضي وما يفعلونه اليوم، لأنهم يتلقون رشاوي لخيانة الشعوب، ليس فقط في ألمانيا، بل في جميع أنحاء أوروبا”6.

قبل اصداره للكتاب، كان يُنظر لأودو أولفكوت في ألمانيا وفي بقية المنظومة الغربية الليبرالية/الامبريالية، على أنه صحفي محترم، تميز بعمله لمدة 17 عاما في صحيفة فرانكفورتر ألجماينه تسايتونغ الألمانية العريقة. وقد كان بالفعل على قدر عالي من العلم والثقافة. فهو حاصل على درجة الدكتوراه في فبراير 1987، من جامعة فرايبورغ. وقد كرّس أطروحته للدكتوراه حول استمرارية وتغير السياسات الأمريكية والسوفييتية في الشرق الأدنى والأوسط خلال الفترة بين عامي 1967 و1980. لكن قبل حصوله على الدكتوراه بعام واحد، كان قد أصبح عضوًا في هيئة التحرير السياسية لصحيفة فرانكفورتر ألجماينه تسايتونغ، حيث عمل في قسم السياسة الخارجية حتى عام 2003، كان خلالها مسؤولًا عن تغطية أحداث أفريقيا والدول العربية والأمم المتحدة. وقد عاش بشكل رئيسي في دول إسلامية بين عامي 1986 و1998، بما في ذلك العراق وإيران وأفغانستان والمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان والإمارات العربية المتحدة ومصر والأردن؛ وسافر إلى أكثر من ستين دولة. ويبدو أن هذه التنقلات والاقامات في هذه الدول قد ساعدته في تبرير انحيازاته ضد المسلمين ونشر الاسلاموفوبيا.

لكن أولفكوت، قرر فجأة بعد سبعة عشر عاما من العمل الصحفي في صحيفة فرانكفورتر ألجماينه تسايتونغ، التخلي عن وظيفته وافشاء كل ما حدث له في مسيرته المهنية (الصحفية)، وما يحدث بالفعل داخل صناعة الاعلام. فيكشف عن الحيل الخادعة وشبكات السلطة السرية داخل وسائل الإعلام، وكيف تُستخدم الامتيازات لرشوة الصحفيين وصناع الرأي لتحريف تقاريرهم. كيف يُرسم مسار الفساد من القمة، وكيف يوضع العاملون فيه أمام خيارين، إما أن يجاروه أو ينسحبوا منه. كيف تُجنّد الذراع الطويلة لمكتب صحافة الناتو، وسائل الإعلام لدفع أوروبا لتقديم المزيد من الدعم للحروب الخارجية. فأصحاب وسائل الاعلام النخبوية، يرون أن لهم الحق في التفكير نيابةً عن الناس، وتشكيل الرأي العام بما يتوافق مع أجنداتهم. أما حريتهم الصحفية فهي الحرية في فرض الرقابة على الأخبار. مات أكثر من مليون شخص في العراق وليبيا وسوريا، لأن الصحافة لم تكتفِ بنقل الأخبار الكاذبة، بل اختلقت وروجت للأحداث التي كانت ذرائع للحروب.

يذهب أولفكوت الى ما هو أبعد، بتسمية مئات الصحافيين، والمنظمات التي تمارس نفوذها على الإعلام الألماني بدعاية أحادية الجانب. من هذه المنظمات يذكر أسماء “الجسر الأطلسي” (The Atlantic Bridge)، و”اللجنة الثلاثية” (Trilateral Commission)، و”صندوق مارشال الألماني” (German Marshall Fund)، و”مجلس العلاقات الخارجية” (Council on Foreign Relations)، و”معهد أسبن” (Aspen Institute). كما كشف النقاب عن وكالات الاستخبارات التي تقف وراء جماعات الضغط هذه، وعن أساليب الدعاية التي تستخدمها، مثل المنح التي تغدقها السفارة الأمريكية على مشاريع التأثير على الرأي العام الأوروبي.

يقول أولفكوت: لا تتفاجأوا إذا علمتم أن الجواسيس يجلسون ويكتبون مقالاتٍ في مكاتب تحرير الصحف لتُنشر فورًا في صفحات الرأي بأسماء صحفيين معروفين أو أيّ صحفيين يتلقون رشاوى مقابل تقاريرهم. ولا تستغربوا إذا أطلعتكم على حقيقة أن “جوائز الصحافة” المرموقة تُمنح للصحفيين المذعنين كترضية ومكافأةٍ لهم على تعاونهم.

وسائل الإعلام الغربية رفضت بشدة ادعاءات أولفكوت ووصفتها بالتافهة. ولم يكن أمامها من سبيل لتفادي الاحراج والاحتقار اللذين تعرضت لهما بعد نشر الكتاب، سوى وصمه بالتفاهة في محاولة للتشويش على الوقع النفسي الذي أحدثه الكتاب على الرأي العام الغربي7. تم حظر الطبعة الإنجليزية من كتاب “صحفيون مأجورون” (Bought Journalists) لمدة ثلاث سنوات. وكان مخططٌ صدورها تحت عنوان “صحفيون للإيجار” (Journalists for Hire). رغم ذلك، حصل الكتاب بعد صدوره على 24 تقييما بخمس نجوم من أمازون فقط. وبقي لمدة 18 شهرا على قائمة أكثر الكتب مبيعًا في ألمانيا.

مجلة دير شبيغل التي تعج بالصحافيين الأمنيين الألمان علقت بنفرفزة على الكتاب قائلة: إن “كتاب أولفكوت نُشر من قِبل الناشر الألماني كوب (Copp)، الذي اعتبرته بوتقةٌ لنظريات المؤامرة. فهو ينشر أعمالًا لخبراء الأجسام الطائرة المجهولة، ولمؤلفين يدّعون أن الأمريكيين دمروا برجي مركز التجارة العالمي بأنفسهم عام 2001. ومع أن كتاب أولفكوت تصدّر قوائم الكتب الأكثر مبيعًا لأشهر، الا أن دير شبيغل اعتبرته مرجعًا لكل من تخلّى عن إيمانه بالإعلام الألماني8.

الهجوم على أولفكوت لم يقتصر على أسياده ورعاته من أوساط النخب الليبرالية/الفاشية الغربية الحاكمة، وإنما شمل أيضا بعض أوساط الرأي العام التي هجته ولم تغفر له العمل الواشي المهم الذي أقدم عليه وفضح به حاشية حكام الغرب الليبراليين/الفاشيين المحسوبة على الاعلام الأمني. بعض هؤلاء اعتبر أنه اعترف بجرائمه كأحمق يبحث عن الخلاص، إنما حتى الغفران لا يمحو الضرر الذي تركه هو وعائلته. الديون لا تُسدد بالاعتذار، وإنه وأمثاله تعلموا الكذب مع مرور الوقت. هو نفسه ألّف، منذ نهاية التسعينيات، العديد من الكتب الأكثر مبيعا، والتي مثّلت بوتيرة متصاعدة مواقف يمينية شعبوية ومعادية للإسلام ومؤيدة لنظريات المؤامرة.

لكن تلك الانتقادات قابلتها إشادات واسعة من قبل عديد الشخصيات والأوساط التي ثمّنت قيمة الكتاب عاليا. الدكتور بول كريج روبرتس “Paul Craig Roberts” (مواليد 3 أبريل 1939)، اقتصادي ومؤلف أمريكي، شغل سابقًا منصبا وزاريا فرعيا في الحكومة الأمريكية، اضافة لتدريسه في العديد من الجامعات الأمريكية. وهو من معارضي السياسة الخارجية الأمريكية –  علق على كتاب أولفكوت قائلا: “كتابٌ مذهل، أحدث ضجةً كبيرة، بيع منه مليون ونصف مليون نسخة في ألمانيا… يُبدد الوهم بوجود صحافة مستقلة في أي مكان في العالم الغربي… يعمل الصحفيون كدعاة ووكلاء علاقات عامة لوكالات الاستخبارات والشركات ومنظمات الضغط والسياسيين والسياسة الخارجية الأمريكية… يُجنّد الصحفيون وهم لا يزالون طلابًا… الجميع، من أدنى مراسل إلى أعلى محرر إلى مالكي المؤسسات الإخبارية، متورطون في تمكين النخب من التحكم في السرديات والتفسيرات… العلاقات المحرمة بين الصحفيين ووكالات الاستخبارات والشركات والسياسيين وأهداف السياسة الخارجية الأمريكية، منتشرة على نطاق واسع لدرجة أن أحدا لا يكترث بها… مع خضوع وسائل الإعلام الغربية، تصبح الديمقراطية والحكومة المسؤولة مستحيلة. مساهمة أولفكوت، هي توضيح ذلك”9.

بدوره كتب الكاتب الأمريكي ستيفن ييتس “Steven Yates”، من أمازون.كوم: “لقد قدّم أودو أولفكوت للصحافة الغربية ما قدّمه جون بيركنز “John Perkins” في مؤلفه الأكثر مبيعا “اعترافات قاتل صحفي محترف “Confessions of a Journalistic Hit Man”…لتنويرنا حول كيفية تصميم وتنفيذ سياسات التنمية الاقتصادية فيما تُسمى الدول النامية”10.

مارك كارلسون من أمازون.كوم أيضا، كتب معلقًا على أهمية كتاب أودو كونستانتين أولفكوت بما يلي: إنه كتابٌ لا غنى عنه لكل من يفكر بنفسه. كثيرًا ما يُقتبس عن مارك توين: “إذا لم تقرأ الجريدة، فأنت جاهل. وإذا قرأت الجريدة، فأنت مُضلّل”. لكن أودو أولفكوت يشرح بدقة سبب ذلك وكيفية حدوثه. تحية للناشر لترجمته هذا الكتاب المهم إلى الإنجليزية. قراءته ستجعلك مُشاهدًا أكثر نقدًا للأخبار”11. ومن أمازون.كوم كتب Biplane Bob معلقًا على الكتاب: “لقد تحولت وسائل الإعلام الغربية الى ناشطين سياسيين يستخدمون مناصبهم الإعلامية ليس لتقديم التقارير، بل لشن حملات ضد معارضي عملائهم المُريبين المُفسدين”12.

يُشير أولفكوت إلى العديد من الممارسات الفاسدة والمُفسدة والشريرة التي تُسبب التحيز في التقارير الصحفية. وتتراوح هذه الممارسات بين الانتماءات الشخصية (مثل حب رئيس تحرير صحيفة بيلد لتركيا) والمواقف المُتزعزعة (مثل ديكتاتوريات العالم الثالث وجهود الشركات متعددة الجنسيات لمنح الصحفيين هدايا فاخرة وإجازات). ثم يُشير أولفكوت إلى كيفية قيام وكالات الاستخبارات، مثل وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، أو منظمات “الصداقة” الدولية مثل “جسر الأطلسي”، بالتلاعب بالأخبار لتحقيق أهداف الناتو، مثل تطويق روسيا. وقد وضع أولفكوت علامات استفهام كبيرة حول اجتماعات مجلس العلاقات الخارجية “Council on Foreign Relations” (مركز أبحاث أمريكي متخصص في السياسة الخارجية الأمريكية والعلاقات الدولية)، ومجموعة بيلدربيرغ “Bilderberg Group” (نخبة منتقاة بعناية من كبار ساسة ورجال الأعمال الغربيين يجتمعون سنويا منذ 1954 بصورة سرية لمناقشة قضايا عالمية حساسة). فيقول بأن من السخافة بمكان الاعتقاد بأن هؤلاء الأشخاص يجتمعون فقط لتحقيق أهداف نفعية كتعظيم سعادة العالم. هذه النخبة تسعى، كما يقول، للسيطرة على العالم. بل إن معظم هذه المنظمات تعمل كشبكات نفوذ لشخصيات وشركات قوية (بالفعل). ينبع انزعاج أولفكوت في الغالب من الصحفيين الذين يتعاونون مع هذا النظام، وليس من المنظمات نفسها.

*****

في عملية تصفية حسابات بين مراكز القوى التي تتوزع على جناحي السلطة الحاكمة في الولايات المتحدة (الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري)، كشف قيام مجموعة ترامب في أوائل عام 2025 بتصفية عدد من مؤسسات، أو أوكار، الدولة المجيرة لصالح الحزب الديمقراطي، ومنها “الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية” (USAID)، عن فضائح كبرى، شملت شراء نجوم هوليوود، وشراء ذمم منظمات مجتمع مدني ونشطاء سياسيين وحقوقيين في كافة بلدان العالم. كما شملت شراء صحفيين ومؤسسات صحفية عريقة. فقد فضحت المستندات التي كشف النقاب عنها في إطار حرب نشر الغسيل بين الخصمين المتنافسين، عن أبشع الطرق لاستغلال العالم، منها تلقي وكالة أنباء رويترز البريطانية مبلغ 9,147,532 ملايين دولار من وزارة الدفاع الأمريكية مقابل ضلوعها في مخططات الهندسة الاجتماعية والخداع الاجتماعي. فقد كشفت تحقيقات وزارة الدفاع الأمريكية عن مدفوعات غامضة قدمتها الوزارة لرويترز مقابل مشروع “خداع اجتماعي واسع النطاق” بين عامي 2018 و2022؛ وإن رئيس رويترز نفسه، أندرو مارشال ماكجريجور، ظل يتقاضي راتبا نظير تستر وكالته على جرائم الاحتلال الأمريكي البريطاني للعراق، ولنشاطه الاعلامي الهدام في تايلند. {تلقّت رويترز ملايين الدولارات من الحكومة الأمريكية مقابل خداع اجتماعي واسع النطاق}. هذا حرفيا ما هو مذكور في طلب الشراء (المصدر: USASpendingGov).  ومن بين ما كُشِف عنه النقاب أيضا، عمل مجلة دير شبيغل الألمانية مقابل المال، لصالح كلٍّ من جهاز المخابرات الألماني (BND)، ووكالة المخابرات المركزية (CIA)، وتلقيها حصة من مليار دولار أُنفقت لتشويه صورة الصين.

*****

يقول الفيلسوف وعالِم اللسانيات الأمريكي، نعوم تشومسكي: “عندما تنجح الدعاية بهذا القدر، لا يعود الناس يتساءلون عما إذا كانوا يتعرضون للكذب، بل يصدقونه فحسب”.

تشكل الميديا الأمريكية، بكل أنواعها المرئية والمقروءة والمسموعة، جزءً أصيلا لا يتتجزأ من النظام السياسي الأمريكي ومؤسساته المتفرعة والمترامية الأطراف. وهي بهذا المعنى مؤسسة قائمة وفاعلة في وضع أصول اللعبة السياسية واللعبة الديمقراطية، بما في ذلك طريقة انسياب القرار وتجزئة وتفريع وتوزيع الأدوار على كافة مراكز القوى النافذة والمحركة لديناميات الحياة الأمريكية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وفي خضم هذا التشابك المعقد للمصالح والمؤطر قانونيًا ومؤسسيًا، يُروى الكثير من القصص المثيرة حول علاقة أجهزة الميديا، المرئية والمقروءة، بالمنظومة الأمنية المتشكلة من سبعة عشر جهازا أمنيا، وتحديدا منها الأقوى شوكة والأكثر عراقة وهي وكالة المخابرات المركزية الأمريكية “سي.آي.أيه.”.  في شهر مارس 2017 أجرى روبرت شير رئيس تحرير موقع “تروث ديغ” الأمريكي مقابلة مع جويل ويتني الكاتب الأمريكي وأحد مؤسسي مجلة “غورنيكا” حول كتابه الجديد “المخبرون: كيف خدعت الـ سي.آي.أيه. نخبة كتَّاب العالم”13.لقد تحدث مؤلف الكتاب باستفاضة عن أسماء كبيرة لامعة اعتبرها من أفضل العقول التي خرّجتها الجامعات الأمريكية العريقة مثل هارفارد وييل، ممن أغوتهم السي آي أيه واستدرجتهم، سواء بالمال أو بالدعم، للمشاركة بأقلامهم فيما أسمته بمعركة كسب العقول والأفكار مع الاشتراكية إبان الحرب الباردة. وشمل ذلك كبريات الصحف والمجلات الأمريكية والبريطانية والفرنسية العريقة. وفي معرض حديثه يروي جويل ويتني كيف أن البريطاني كريستوفر مونتاغو وودهاوس، الرأس المدبر للانقلاب على محمد مصدق في يونيو 1953، كان يعمل لصالح وكالة المخابرات الأمريكية سي آي أيه في مجلة “إنكاونتر” اللندنية التي تملكها الوكالة، والتي وظفت البريطاني ستيفن سبندر الذي كان يقبض سرًا من الحكومة البريطانية، فيما كان الأمريكي إيرفينغ كريستول يقبض بصورة غير مباشرة من السي آي أيه. وقامت الوكالة بتعميم تجربة مجلة “إنكاونتر” في باريس وروما وعديد العواصم الأوروبية، ربما كانت أشهرها “باريس ريفيو” التي استقطبت عديد الكتاب من بينهم عملاء سابقون للسي آي أيه مثل جورج بليمبتون الذي نجح في تأمين مخصصات إنفاق السي آي أيه على هذه المطبوعات من خلال الكونغرس عبر نافذة ما سمي آنذاك “دعم الحرية الثقافية”.

المقابلة حافلة بالأحداث المثيرة والأسماء الصحفية اللامعة التي وقع خداعها أو إغوائها للانخراط فيما سُمي برنامج “عملية موكينغ بيرد” (Mockingbird) الذي استقطبت بموجبه السي آي أيه حوالي 3000 من الكتاب ورؤساء تحرير الصحف والناشرين ووضعتهم على كشوف مرتباتها. وقد قاد عملية التضليل الاعلامي فيليب غراهام الكبير، الناشر السابق لـواشنطن بوست أيام الحرب الباردة. بل إن الكاتبين الأمريكيين جيفري كلير وألكسندر كوكبيرن يشتبهان في دور وشاية قامت به الصحيفة تواصلا مع السي آي أيه، أفضى لتدمير حياة الصحفي والكاتب الأمريكي اللامع غاري ويب في عام 1996 (بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة افتراضًا)، بسبب تحقيقاته المثيرة حول تورط السي آي أيه مع مليشيات “الكونترا” اليمينية المسلحة في تجارة المخدرات لتمويل حرب “الكونترا” في ثمانينيات القرن الماضي، التي استهدفت اسقاط نظام الساندينيستا في نيكاراغو. حيث أدت حملات التسقيط التي شنتها واشنطن بوست على غاري ويب الى تحطيم مهنته ودفعه الى الانتحار في 10 ديسمبر 2004. والمثير أنه رغم اقرار المحقق العام في السي آي أيه فريدريك هيتز فيما بعد بصحة تقارير الكاتب والصحفي غاري ويب، إلا أن الصحيفة لم تعتذر عما اقترفته من جريمة قذف وتسقيط بحق أحد أعظم وأجرأ الكتاب الصحفيين الأمريكيين.

في عام 1996 حين تسلم جورج بوش الأب إدارة السي آي أيه من سلفه وليم كولبي، أعلنت الوكالة رسميا ما يلي: “اعتبارا من الآن وفورا، سوف لن تدخل السي آي أيه في أية علاقة مدفوعات مالية، سواء بوقت كامل أو عمل جزئي، مع الصحفيين المراسلين المجازين من خدمات الأخبار الأمريكية والصحف والدوريات والراديو وشبكات ومحطات التلفزة”، وذلك في وقف مفاجىء لممارسة دأبت عليها الوكالة منذ عام 1947.

ليس تمامًا، لأن ذلك سيكون ضد المنطق، منطق الصراع الممتد بين القوى العظمى، بين الولايات المتحدة خصوصا والقوى المنافسة والمنازعة لها على السيادة العالمية. فمن غير المتصوَّر أن تفرط القوى الممسكة بتلابيب السلطة في الدول العظمى في الأدوار الجوهرية التي يلعبها الاعلام ورواده المحترفين في ذلكم الصراع العنيف. فكان أن استمرا في تأدية أدوارهما الموكلة اليهما، بما في ذلك عبر التعاقدات السرية مدفوعة الأجر، وذلك برسم ما تضمنه اعلان السي آي أيه آنف الذكر، من أن “السي آي أيه ستظل ترحب بالمتطوعين من الصحفيين غير مدفوعي الأجر”. بل إن استمرار السي آي أيه في التعاقد السري مدفوع الأجر مع الصحفيين تم توثيقه جزئيا للفترة التي أعقبت اعلان تعهدها بالتوقف عن هذه الممارسة في عام 1947. ففي عام 1977 عاد “كارل بيرنشتاين”، صحفي التحقيقات في الواشنطن بوست الذي اشتُهر مع زميله بوب وودوارد في الكشف عما عُرف بفضيحة “ووتر غيت” في عام 1972 – عاد لتسليط الأضواء على هذا الموضوع في مجلة “رولنغ ستون”، حيث أكد في تحقيقه الصحفي، إن أكثر من 400 صحفي حافظوا على صلات خاصة مع السي آي أيه خلال الفترة من 1956 الى 1972. وفي عام 1997 أكد أحد أبناء كبار مسؤولي السي آي أيه بشكل قاطع لأحد مواقع الانترنيت الأمريكية الليبرالية، من دون كشف هويته، بأن الصحفي (ذكر اسمه) كان ضمن كشف السي آي أيه لصرف المرتبات.

في كتابه “التاريخ السري للسي آي أيه” (Secret History of the CIA) المنشور عام 2001، أوضح “جو ترينتو” كيف قام مسؤول السي آي أيه فرانك ويزنر بإنشاء برنامج أسماه “موكينغ بيرد” (Mockingbird)، أي الطير المحاكي، في خمسينيات القرن الماضي، وكيف قام بتوظيف فيليب غراهام من واشنطن بوست لإدارة هذه العملية. يقول جو: “إن أهم صحفي كان يعمل بتوجيه من عملية موكينغ بيرد، كان جوزيف آلسوب الذي كانت مقالاته تُنشر في 300 صحيفة مختلفة، إضافة الى صحافيين آخرين مثل ستيوارت آلسوب من نيويورك هيرالد تريبيون، وبن برادلي من نيوزويك، وجيمس ريستون من نيويورك تايمز، وتشارلز دوغلاس جاكسون من مجلة تايم، ووالتر بنكوس من واشنطن بوست، وويليام باغز وهيرب غولد من ميامي نيوز، وتشارلز بارتلت من تشاتانوغا تايمز”.

كما يذكر جو ترينتو في كتابه: “إن عملية موكينغ بيرد كان لها تأثير ونفوذ على 25 صحيفة ووكالة أنباء، بما في ذلك نيويورك تايمز، ومجلة تايم، وشبكة سي بي اس. وكان تمويل العملية يأتي من صناديق تمويل مخصصة لمشروع مارشال لإعادة اعمار أوروبا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. وجرى تخصيص جزء من تلك الأموال لرشوة الصحافيين والناشرين”.

الى ذلك أيضا، يؤكد “ألكس كونستانتين في كتابه “موكنينغ بيرد: تخريب الصحافة الحرة بواسطة السي آي أيه”، بأنه في خمسينيات القرن العشرين الماضي كان هناك نحو 3000 عقدا مبرما بمرتبات شهرية مع عاملين في الاعلام تم تجنيدهم لاحقا في أعمال البروباغاندا”.  ولعل ما حدث بعد الهزيمة الصادمة لهيلاري كلينتون، مرشحة “الاستابليشمينت” (مؤسسة الدولة العميقة الحاكمة)، في انتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2016، من سفور كامل للوجه الحقيقي لتيار الاعلام الرئيسي وكبار صحافييه وكتّابه، و”فزعتهم الدونكيشوتية” للمؤسسة في صراعها المفتوح مع الرئيس ترامب ومجموعته الحاكمة لمنعه من ادخال أي تعديل، مهما كان طفيفا، على “مسلّمات” سياساتها الخارجية تحديدا – يؤكد استمرار العمل “بمدونة” “موكينغ بيرد” المتكاملة والمتناغمة تماما مع “تعاليم” المكارثية.

*****

في مرحلة ما من حياته الصحافية، لم يعد أودو كونستانتين أولفكوت – على ما صار بائنًا من دفق وعظيم اعترافاته – يحتمل قذارة عالم الصحافة الذي تمرغت سمعته في طينه، ولا خداعه وتضليله للناس لكل الوقت. فكان لجوئه للحقيقة كملاذ وسبيل لغسل ذنوبه والتكفير عن سوءاتها. الحقيقة هي التي قادته لتوقع اضمحلال وانحدار بلاده (ألمانيا) إذا استمر الشعب الألماني في تلقي معلومات غير مكتملة ومضللة حول القضايا المهمة الحالية والمستقبلية التي تواجهه. ثم جاءت مواقفه المؤيدة لروسيا، والمناهضة للتدخل الأمريكي، والمناهضة للاتحاد الأوروبي، والمناهضة لليورو، والمؤيدة لألمانيا، كتحصيل حاصل لذاك التداعي لـ “لجوئه الأخلاقي” للحقيقة.  

الهوامش والملاحظات

(1)  John Jay College of Creminal Justice, New York State Slavery Records Index Launched by John Jay Co, January 31, 2018, https://www.jjay.cuny.edu/news-events/news/new-york-state-slavery-records-index-launched-john-jay-college.

 (2) نفس المصدر

(3)Dennis J. Bernstein and Randy Credico, Consortium news, Mainstream Media an Extension of Imperial Power, Jan 25, 2018, https://www.truthdig.com/articles/john-pilger-media-west-now-extension-imperial-power/

(4) SPIEGEL archive, SPIEGEL culture, Right-wing populism, Controversial journalist Udo Ulfkotte is dead, January 14, 2017, https://www.spiegel.de/kultur/literatur/udo-ulfkotte-umstrittener-publizist-und-ehemaliger-faz-journalist-ist-tot-a-1130008.html.

(5) Udo Ulfkotte, Translated by Andrew Schlademan, Presstitutes Embedded in the Pay of the CIA: A Confession from the Profession, Publisher: Progressive Press, 2020, https://www.amazon.com/Presstitutes-Embedded-Pay-CIA-Confession/dp/1615770178/ref=sr_1_1?dib=eyJ2IjoiMSJ9.7PmtLKwojIWsCQKvfPQW4zygozwt5aWIXRMGpp1aJ4k.Inguhl7zvm7w2m6T4mBtvFrE1FVtdGJYz3aicmCKpoY&dib_tag=se&qid=1741927389&refinements=p_27%3ADr.+Udo+Ulfkotte&s=books&sr=1-1.

(6) نفس المصدر

(7) SPIEGEL culture, Right-wing populism, Controversial journalist Udo Ulfkotte is dead, January 14, 2017, https://www.spiegel.de/kultur/literatur/udo-ulfkotte-umstrittener-publizist-und-ehemaliger-faz-journalist-ist-tot-a-1130008.html

(8) Markus Brauck et al “Germans Lose Faith in the Fourth Estate”, Der Spiegel, February 24, 2016.

(9) Amazon, Presstitutes Embedded in the Pay of the CIA: A Confession from the Profession, English edition  by Udo Ulfkotte (Auteur), Andrew Schlademan (Traduction), 20 January 2020, https://www.amazon.com.be/-/en/Udo-Ulfkotte/dp/1615770178?language=en_GB

 (10) نفس المصدر

(11) نفس المصدر

(12) نفس المصدر

(13) Emma Niles, The CIA’s 60-Year History of Fake News: How the Deep State Corrupted Many American Writers, Truthdig, March 17, 2017, https://www.truthdig.com/articles/the-cias-60-year-history-of-fake-news-how-the-deep-state-corrupted-many-american-writers/

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا