ما أجمل أن تصبح المرأة أمًّا.
كنت أظن أنني أعرف معنى الحب قبل أن أصبح أمًّا، ثم جاء ابني ليخبرني أن للحب وجوهًا أخرى لم أعرفها من قبل، وأن في القلب مساحات لا تُفتح إلا حين تحتضن المرأة طفلها للمرة الأولى. منذ أن جاء إلى حياتي، أصبحت أرى الوقت بطريقة مختلفة؛ صرت أراقب تفاصيله الصغيرة، وأحاول أن أستغل كل لحظة معه، وكأنني أخشى أن تمرّ طفولته أسرع مما أستطيع أن أستوعب.
أحيانًا أجلس إلى جانبه وأتأمل وجهه وهو نائم، فأفكر في أن هذه اللحظة، على بساطتها، لن تتكرر أبدًا. سيكبر، وسيتغير وجهه، وستكبر يداه الصغيرتان، وستتبدل طريقة نومه، وضحكته، وكلماته، وربما لن أتذكر يومًا كل هذه التفاصيل الدقيقة التي أعيشها الآن. ولذلك أحاول أن أعيشها بكل حواسي، وأن أحتفظ بها في قلبي قبل أن تحفظها ذاكرتي.
ومنذ أن أصبحت أمًّا، بدأت أكره ساعات العمل التي أقضيها بعيدًا عنه. لم أكن أتخيل أن بضع ساعات فقط يمكن أن تجعلني أشعر بهذا القدر من الاشتياق. أكون في العمل، وبين يديّ مسؤولياتي، لكن جزءًا مني يبقى معه؛ أتساءل ماذا يفعل، هل نام، هل ابتسم، هل بحث عني، وهل أدرك أن أمه ليست إلى جواره في تلك اللحظة؟
وهنا بدأت أفهم أمي بطريقة لم أفهمها من قبل.
حين كنا صغارًا، كانت تتركنا وتذهب إلى عملها. كنا نراها تغادر، وربما كنا نشتاق إليها، وربما كنا نغضب أحيانًا لأنها تركتنا، لكننا لم نكن نعرف ما الذي كانت تشعر به وهي تغلق الباب خلفها. لم نكن نعرف أن الأم قد تمضي يومها كله وهي تحمل أبناءها معها في قلبها، حتى وهي بعيدة عنهم. لم نكن نعرف أن الذهاب إلى العمل لا يعني أن قلبها ذهب معها.
اليوم فقط، وأنا أم، أستطيع أن أتخيل كم كان ذلك صعبًا عليها.
ولعل أجمل ما تمنحنا إياه الأمومة ليس فقط حب أطفالنا، بل قدرتها على أن تعيدنا إلى طفولتنا نحن، وأن تجعلنا نرى أمهاتنا بعيون جديدة. فجأة نفهم أشياء لم نفهمها ونحن أطفال، ونكتشف أن وراء كثير من صمت أمهاتنا وتعبهن وتضحياتهن قصصًا من الحب لم نكن نملك القدرة على قراءتها آنذاك.
ولأنني أخشى أن تسرق الأيام مني هذه التفاصيل، فكرت في طريقة أحتفظ بها بكل ما أستطيع من طفولة ابني.
طلبت من والده أن ينشئ له حساب بريد إلكتروني خاصًا به، نرسل إليه الرسائل والصور وكل ما نريد أن نحتفظ به من أحداث طفولته. أول صورة، أول ابتسامة، أول كلمة، أول مناسبة، أول عيد، أول رحلة، أول يوم في المدرسة… وحتى تلك التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو عادية الآن، لكنها ستصبح بعد سنوات كنوزًا لا تُقدّر بثمن.
وقد لا يقرأ ابني هذه الرسائل الآن، وربما لن يعرف أصلًا بوجودها لسنوات طويلة. لكنني أحب فكرة أن هناك مكانًا صغيرًا في هذا العالم يحفظ طفولته كما عشناها نحن، لا كما سترويها الذاكرة بعد أن تتداخل السنوات.
والأجمل أن هذه الفكرة ليست مجرد وسيلة لحفظ ذكريات طفل؛ إنها، في رأيي، مساحة جميلة تجمع الأب والأم أيضًا.
فكل واحد منا يستطيع أن يكتب لابنه بطريقته. قد يكتب الأب عن أول مرة حمله فيها، وقد أكتب أنا عن ليلة لم أنم فيها وأنا أراقبه، وقد نرسل صورة ونكتب تحتها كيف شعرنا في ذلك اليوم. تصبح هذه الرسائل أشبه بحوار طويل بين أب وأم حول أكثر إنسان يجمعهما حبًّا.
وربما لهذا السبب أحببت الفكرة أكثر.
ففي خضم مسؤوليات الحياة، والعمل، والتعب، وانشغال كل منا بتفاصيل يومه، يحتاج الزوجان أحيانًا إلى مساحة تذكّرهما بما يجمعهما. والطفل ليس فقط مسؤولية مشتركة بينهما، بل هو أيضًا قصة حب مشتركة، وذاكرة مشتركة، ومستقبل يكتبانه معًا.
إنها منصة صغيرة للتعبير عن الحب؛ حب الطفل، وحب الأسرة، وحتى الحب الذي يجمع الزوجين من خلال هذا الطفل.
فالأسرة لا تُبنى بالوجود وحده، وإنما بالكلمات أيضًا. بالكلمات التي نقولها، والكلمات التي نكتبها، والكلمات التي نتركها لمن نحب كي يجدها ذات يوم.
وربما سيأتي يوم، بعد سنوات طويلة، يفتح فيه ابني ذلك البريد الإلكتروني، فيجد رسائل من أمّه وأبيه كتبت في زمن كان فيه صغيرًا جدًا، لا يعرف القراءة، ولا يعرف كم كان محبوبًا.
سيرى صورًا لنفسه لم يعد يتذكرها، وسيقرأ كلمات كتبناها ونحن نحاول أن نحتفظ بطفولته قبل أن تهرب منا.
وسيعرف، وربما للمرة الأولى، كم كان حضوره صغيرًا في حجمه… وكبيرًا في قلوبنا.
أما أنا، فسأكون قد احتفظت بشيء آخر أيضًا: بطفولته كما عشتها، وبأمومتي كما شعرت بها، وبكل تلك اللحظات التي مرّت سريعًا ولم أكن مستعدة لأن أودّعها.
فالأطفال يكبرون.
والأمهات يعرفن ذلك جيدًا.
ولهذا نحاول، بكل ما نستطيع، أن نسرق من الزمن بعض الذكريات قبل أن يأخذها معه.


