الخليج ونذر الحرب

0
3

تقف منطقتنا الخليجية أمام مرحلة دقيقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد احتمالات المواجهة العسكرية. ولا تكمن الخطورة في احتمال اندلاع حرب فقط، بل في اتساع نطاقها وصعوبة احتواء تداعياتها، حتى بالنسبة إلى الدول التي لا تشارك فيها مباشرة، فقد يقود خطأ في التقدير إلى مواجهة تتجاوز أهداف أطرافها، وتفرض على المنطقة بأسرها أثماناً لم تختر دفعها.

تنبع حساسية الخليج العربي من موقعه في معادلة الطاقة والتجارة العالمية، ومن ارتباط أمنه باستقرار الممرات البحرية والمنشآت الحيوية وشبكات الإمداد. وأي اضطراب واسع في هذه المنظومة قد يرفع تكاليف النقل والتأمين، ويؤثر في أسعار الطاقة والاستثمارات، ويزيد الضغوط على الاقتصادات والأسواق، فتتحول الحرب إلى تهديد مباشر للتنمية ومستويات المعيشة والاستقرار الاجتماعي.

أمام هذه المخاطر، لا يصح أن تنحصر مقاربة دول الخليج في الاستعداد العسكري، على ضرورته، فحماية الأمن الوطني تشمل أيضاً تحصين المنشآت الحيوية، وضمان استمرارية إمدادات الماء والغذاء والطاقة، ورفع جاهزية الخدمات الصحية والمدنية، وتعزيز أمن الاتصالات والمعلومات، كما تتطلب إدارة مسؤولة للمخاطر الاقتصادية، بما يقلل تعرض الأسواق والاستثمارات للصدمات.

على أهمية كل ذلك، تبرز ضرورة تحرك خليجي منسق يضع منع الحرب في صدارة الأولويات، ويستخدم القنوات الدبلوماسية والوساطات المتاحة لخفض التوتر، مع التمسك بسيادة الدول ومصالحها المشروعة. فالتنسيق بين دول مجلس التعاون يجب أن يمتد إلى بلورة مواقف سياسية واضحة، وتوحيد الرسائل الداعية إلى ضبط النفس، وتعزيز فرص التسوية، ففي أوقات الأزمات، يصبح تماسك الموقف الخليجي عاملاً من عوامل حماية القرار الوطني، لا مجرد تعبير عن التضامن.

وتتحمل القوى الدولية بدورها مسؤولية مباشرة عن منع تحول الخليج إلى ساحة لتصفية الحسابات. فحرية الملاحة وأمن الطاقة مصلحتان دوليتان، لكن حمايتهما لا تتحقق بالتصعيد غير المحسوب أو بتوسيع دائرة الاستقطاب، وإنما بتغليب الحلول السياسية واحترام القانون الدولي.

أي ترتيب أمني مستدام سيظل ناقصاً ما لم يفتح المجال لحوار إقليمي جاد يعالج مصادر التوتر، ويؤسس لقواعد واضحة بشأن احترام السيادة وعدم استهداف المدنيين والمنشآت المدنية وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، بما يسهم في توسيع فرص الحوار وصون أمن الشعوب ومكتسباتها.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا