كارمن: تمجيد التمرُّد وقتل الحرية مع الإصرار والترصد

0
36

“حتى أنت يا بروتوس!”

جملة شكسبيرية شهيرة تنبثق تلقائياً حين نتحدث عن الخيانة من أقرب الناس. وبرغم أنها جملة معروفة الحدث والمآل، لكن يظلّ جمهور المسرح يُقبل عليها في كل مرة، مدفوعاً برغبة الاكتشاف، لا بالدهشة. فما الذي يجعل المتلقِّي يذهب طوعاً لعرض معروفة نهايته مسبقاً؟

يُعدُّ الذهاب لمشاهدة عرض مسرحي متعة قادمة منتظرة، ودهشة تستحق التدقيق والتحقق من العناصر المسرحية على المستوى الظاهر المرئي، دون السماح لأي خلل أن يُفسد ما تمّ التخطيط له بدقة، أو ما يحدث في خفاء الكواليس، حيث يظهر الانضباط الذي يخلق هذه المتعة، دون وجود خلفية مسبقة عما سيجري بالنسبة للمتلقي. فماذا عن العروض الكلاسيكية التي قُدمت في كل العالم بشكل يصعب حصر عدده؟ ولِمَ يصرُّ المهتمون على حضور نسخ جديدة منها؟

الحاصل أنه، عند إعادة تقديم عمل كلاسيكي، لا يتعامل المبدعون معها بوصفها نصوصاً قديمة؛ بل أعمالاً أثبتت قدرتها على البقاء، وصمدت كل هذا الوقت؛ لأنها مسَّت جوهر الإنسان وقضاياه، وأعادت طرح أسئلة للحاضر عبر استحضار الماضي، وهذه القوة هي التي تتحلى الكلاسيكيات بها: إعادة تشكيل المادة بحيث تكون القابليَّة للتأويل مستمرة، خصوصاً حول مفاهيم مطلقة ويمكن أن تمسّ أي مجتمع؛ مثل الحرية/ الهوية/ السلطة الأخلاقية، ويصبح كل تأويل له شهادة على السياق الذي خرج منه.

حضرت في ذهني كل هذه الأفكار قبل بدء عرض “كارمن” في مسرح الطليعة بالقاهرة، لمؤلف الرواية الأصلية بروسبير ميريمي في 1845م. يذكر أكثر من مصدر أنه تمّ الالتفات إليها وإلى معانيها، حين ظهرت على شكل أوبرا من تأليف جورج بيزيه، وعُرضت تقريباً بعد ثلاثين سنة من كتابتها كرواية. والسؤال الرئيس هو: كيف لحكاية معروفة الأحداث، كُتبت في القرن التاسع عشر، أن تقال من جديد وبشكل فرجوي ممتع كأنَّها المرة الأولى؟ وبطبيعة الحال، شاهدت -شخصياً- نسخاً وأشكالاً متعددة بحكم التخصص والاهتمام، لكن -ربما- يبدو هذا حافزاً إضافياً لمشاهدته نسخة جديدة بقيادة محترفة للمخرج ناصر عبدالمنعم، الذي سبق له تقديم أعمال مميزة، من بينها عروض مأخوذة عن روايات معروفة، كما لا يُخفي المخرج أن اختياراته الفنية مرجعها اهتمامه بتسليط الضوء على الثقافات الهامشية التي قدّمها من خلال عروض مسرحية كان آخرها “أحدب نوتردام” قبل أربع سنوات، وعروض أخرى، حتى لو لم تكن قد شوهدت، لكن عناوينها دالة على اهتمامات المخرج المختارة بعناية شديدة.

استخدم المخرج طريقة دائرية لعرض نسخته من “كارمن”؛ حيث انتهى من حيث بدأ في استرجاع زمني (flash back) لنفس المشهد، وهذا تكنيك ليس مستخدماً في الرواية الأصلية؛ وما بين المشهد الأول والأخير انتقالات زمنية وأحداث متتالية تجاوزت في عمر العرض المسرحي الساعة والنصف بقليل، غير أن عبدالمنعم عمل على عرضه بشكل متواصل، وبلا إظلام أبداً، بتكنيك أداء توزع بين فعل الدراما والأداء الحركي وتكنيك أقرب للسينما أيضاً، وهذا ما أكسب العرض غِنىً بصرياً مريحاً للعين، وكل مشهد مصنوع بدقة فنان متمكن؛ يعي إمكانيات طاقمه، ويعرف طاقاتهم الأدائية على الخشبة، وهكذا اختار “الزئردة” -كما كان الفنان محمد صبحي يلقِّبها في مسلسل يوميات ونيس- ريم أحمد؛  التي أنهت دراسة الباليه والفنون المسرحية، واستطاعت تأدية دورها بجدارة؛ بسبب قدرتها على الأداء التمثيلي والحركي معاً، وهو دور صعب، يليق بمهارتها العالية، وحضورها على الخشبة لأداء دور كارمن الرئيسي، والمعقد أيضاً.

وكارمن هي تلك الأنثى الغجرية التي تجمعها علاقة عاطفية بالضابط المجند خوسيه، ولا تفلح حلقاتهما في الاشتراك في دائرة موحدة تجمعهما في طريق! وتحمل الجملة السابقة نقيضين معلنين: الغجرية والعسكري؛ من ثقافتين مختلفتين ومتضاربتين، تمثلان -حسب قوانين الديالكتيك التي تحكم التفكير الجدلي وفهم التغيير والتطور في الظواهر، والمرتبطة بفلسفة هيجل وكارل ماركس، قانون الوحدة والصراع بين الأضداد- تولد التوتر الذي يقود إلى التطور، مع الالتفات إلى التناقضات الداخلية التي هي أساس الحركة والتغيير، وهنا المسألة تقع بين شدّة ورخاوة، لذلك وقع هذا الانجذاب.

ولا بد من النبر في الشخصية الرئيسية التي يقوم عليها الحدث كله، وفهم نفسيتها ومنطلقها؛ كارمن المتمردة، التي تقف في وجه كل ما يراد أن نطيعه صاغرين بدون مناقشة، وكلمة “لا” حاضرة لديها متى ما أرادت هي ذلك، دون أن تهتم بتبعات كلمتها الصارمة، وهذا المعنى لوحده يبرر لماذا تتم إعادة تقديم الكلاسيكيات! لكن هل كانت كارمن حرّة حقاً؟ أم أن طبعها هذا مألوف، ولكن في منظومة ذكورية خانقة، تحول دون أن تكون ملك نفسها بالكامل، بل هي تتصرف وفق منطق بيئتها التي يعتمد الذكور فيها على ما تجنيه الإناث بشتى الطرق، وهذه النقطة متصلة بنفسية البطلة التي تنتمي إلى الغجر المعروفين في كل الثقافات بعدم التقيد بالأنظمة، بالإضافة إلى السحر والشعوذة والاحتيال، لذا كان شعورها بالهشاشة مفهوماً، وإن لم تصرح عنه نطقاً؛ وهو شعور موجود في المجتمعات المتزمتة التي تفرض على إناثها شكلاً وأداءً يصدران صورة التحكم والسيطرة، لكن حين يسنح لإحداهن الخروج من هذه الشرنقة، ستكون النقلة -في الغالب- تميل للتطرف والابتذال، كما تشير الشواهد الحية من النقيض للنقيض، وكأنَّ الوسط ليس مرحلة مرضية. هذا على مستوى الداخل، أما الخارج فسيكون الانتقاد السلبي والهجوم مستمريْن مدى الحياة، مع تحميل العائلة تبعات هذا الموضوع لوقت طويل.

والمنفذ لفهم شخصية كارمن -التي تعني باللاتينية الأغنية الجميلة-، وقراءة مواقفها داخل الإطار السطحي للتمرد والإغواء المجردَيْن، دون استحضار الخلفية التي أتت منها، كونها غجرية تنتمي إلى الهامش والمرفوض والمنبوذ، هو ظلم بيِّن؛ لأنها في محل الدفاع الدائم عن النفس، حتى داخل جماعتها، وهذا أقرب إلى المشكلة الوجودية المؤرقة، ولا فكاك منها.

وتستعيض كارمن عن السلطتين الاجتماعية والاقتصادية اللتين لا تمتلكهما، بسلطتي الإغراء والغواية اللتين تشعرانها بالقوة، وهي آلية مستخدمة للهيمنة والبقاء، وحين تصرح بأنها “لا تخضع لأحد” فهي تعبر عن الهروب من القيد، حتى وإن كان قيداً تحبّه. لذلك كان تقرُّب خوسيه منها ورغبته في امتلاكها بمثابة وسيلة خنق سريعة، خصوصاً لضابط عسكري اعتاد النظام وألِفه، حتى وإن تخلى عنه مرة. في المقابل، هو يمثل في ذهنيتها السلطة الأبوية التي يقابلها رمزياً: التحكم، ويمكن لهذا أن يكون عبر المجتمع/الدولة/ الأب حسب مفهوم فرويد. أما الحرية بالنسبة لها، فكانت غاية في صراعها الداخلي غير المسموع، وهي تعبِّر عن حاجتها للحرية، وقلقها من التحكم، يجعلها شخصية قابلة للتأويل على أصعد عدة، وهذا ما يشهده المتلقِّي في تخلِّيها عن خوسيه، المجند العاشق، وارتباطها/ زواجها بخارج عن القانون، من الصعب المقارنة بينهما، حتى في طريقة الحب والتعبير عنه، بين لطف الأول وعنف الثاني، وهذا الموقف تحديداً يجعل من هويتها مفتاحاً لفهم نفسيتها/ دوافعها/ وعلاقتها بالآخرين، بالأخص الذين أحبوها.

ويذكر أن معالجات كارمن لم تقتصر على الشكل المسرحي الذي كان أبرزه -عربياً- عرض الفنان محمد صبحي في نهاية التسعينات مع الفنانة سيمون، مع إدخال بعض التعديلات في الأحداث بما يتناسب وطول العرض. وفي حين أن هذه القصة قد استغلت في السينما العالمية، وأشهرها تلك النسخة التي قدمت بممثلين سود (carmen jones) في العام 1954م، وهي نسخة مميزة في موسيقاها وفي لون البشرة الذي عُدَّ شكلاً من أشكال الثورية والتمرد؛ لكنها لم تستغل عربياً، ولم توجد نسخة عربية سينمائية “صريحة”، وإن وُجدت بعض الثيمات المقتبسة عنها، وهذا أيضاً يدفع للسؤال: ماذا لو قُدمت كارمن -عربياً- ولو بوصفها الغجرية الإسبانية؟ كيف سيُقرأ تمرُّدها في ضوء التقاليد الصارمة التي نعرف؟ وهي هذا نقيض لمزاج الجمهور، أو سيأتي على هواه، وما لا يستطيع رؤيته في الواقع يمكن أن يراه على الخشبة. هل ستُعاقب وتُحاكم – بعيداً عن المنظومة الدينية – بالعُرف عند العرب؟ وكيف سيؤول مصيرها إن هي تعلقت برجل دولة مثلاً؟ هل نعمل على وأد كارمن، أم نؤمن بحريتها وبيئتها المجبولة على ذلك، أم نشجع على خطوط إنتاج جديدة من كارمن، ونرجع لنقطة البدء من جديد؟ وماذا لو كان الطرفان مجرَّديْن من الانتماءات الضيقة المتعلقة بالمجتمع وتوابعه الفئوية؟

إن مشاهدة عرض كلاسيكي “حي” مثل كارمن، قادر على فتح باب التأويل وقابليته على التطبيق المباشر في كل مرة، بالإضافة إلى  إحياء التراث الثقافي، ونقل قيم، أو نقدها عبر تسليط الضوء على قضايا معاصرة، من خلال تقديم العمل بأساليب حديثة ومبتكرة، كما فعل ناصر عبدالمنعم هنا؛ في تفعيل العنصر البشري -الأهم- لديه، والاعتماد على العناصر الشبابية التي يراهن عليها، مستخدماً اللغة العربية من منطلق مسؤوليته كمخرج؛ لإحيائها وألفة سماعها عند جمهور العامة، والاحتفاظ أيضاً بالقيم التي استقاها من المصدر، ومناقشتها بالعرض؛ مثل التعرض لفئة الغجر المهمشة، وصراع الواجب والعاطفة، بالإضافة إلى مناقشة مفهوم الحرية المطلقة، بمعاونة العناصر المسرحية المساعدة التي خلقت الأجواء المطلوبة كما يجب. هذا الفهم السخي لكارمن يدعو -بشغف- لانتظار العرض القادم المعلن عنه من قبل المخرج “أماديوس” للكاتب الإنجليزي بيتر شافر، من حيث تعرُّضه لقضية مهمة جداً لم تأخذ حقها في التنفيذ والانتشار عربياً.