في وقت تُقاس فيه القيمة بعدد المشاهدات والإعجاب، وتُختزل الحياة بحسب نبض رقمي، يأتي سؤال الإنسان عن إدراك الوعي: هل هو حقيقي، أم يتبع التأثيرات الرقمية؟ يأتي المسرح؛ الفن الأقدم، في مواجهة أكثر أعدائه شراسة وحداثة: المنصة، بكل ما تحمله من سلطة تقنية، ووعي زائف، وجاذبية قاتلة. انطلق المؤلف عيسى الدرازي عبر نصه “0%” الذي جسد فيه انطفاء الإنسان في هذا العالم الذي تتلاشى فيه الحدود بين الإنسان والآلة/ الوعي والمحاكاة/ التقليد والأصل.
يبدأ العرض بهمهمات بشرية تغلب عليها همهمات أخرى مصطنعة، حتى تغلب الأخيرة الأولى، في فضاء يعطي روح الرموز الرقمية والجدران المعدنية المحدودة، وإن بدت بلا نهاية؛ وشخصيات العرض الأربعة تتحرك بــ”رقمنة”، كأنَّها بيانات بشرية، بلا أسماء أو هويات واضحة، اختزلها المؤلف حسب العالم الرقمي في صفات وظيفية مجردة ومنطفئة. في هذا الفضاء البارد، لا نسمع إلا صدى الأوامر والرسائل المشفّرة. الجسد غائب، والصوت مشوّش، والزمن متقطّع. كل ذلك يشكّل ما يمكن تسميته “المسرح ما بعد الإنساني”؛ حيث الكائنات الدرامية ليست بشراً حقيقيين، بل محاكيات لأنفسهم، انعكاساتٌ على شاشةٍ لا تنطفئ.
تُطلّ “المنصّة” في النص لا كأداة تواصل، بل كقوة عُليا تتكلّم، وتقرّر، وتعيد برمجة الواقع. تقول الجملة المفتاحية: “لمنصّة تقرّر ما هي الحقيقة”، وهي جملة تختصر تحوّل السلطة في عصرنا من الإنسان إلى الخوارزمية. وتتحوّل المنصّة إلى إله رقميّ، يمنح الوجود لمن يُشاهَد، ويمحو من لا يُتابَع. حتى “التمرد” يصبح مشهداً قابلاً للبثّ. إنها سلطة جديدة، تُخضع الفرد من خلال المشاركة الطوعية، وتحوّل الرغبة في الحرية إلى طاعة مموّهة. هنا تبرز المفارقة: الإنسان يظن أنه يبثّ صوته، بينما هو يُعاد إنتاجه داخل نظامٍ لا يرى إلا بياناته.
وحتى يبين العرض أن الإنسان سلعة؛ تتكرر مشاهد متتالية حين تذوب اللغة الأخلاقية في قاموس السوق: الربح والخسارة/ المزاد/ المتابعون/ والمشاهدات. حينها تتحول القيم إلى مؤشرات، والكرامة إلى نسبة مشاهدة، ترتفع كلما ارتفع غير المألوف وغير الأخلاقي، حتى تلك المشاهدات المبنية على الفضول، وليس المتعة، والتي كانت تظهر بجملة “شاهد قبل الحذف”، لم يعد لها مدلول يسترعي الانتباه كما كان سابقاً. لذا فالحسابات مختلفة هنا، والمشاهدات أصبحت للعلاقات الاجتماعية التي تحولت إلى علاقات اقتصادية. فأصبحت المنصة مصنعاً لإعادة تدوير الإنسان بما يناسب القائمين عليه، والسوق، وليس مكاناً للتعبير الحر!
وحينما تَسأل إحدى الشخصيات عن كونهم نسخاً أم أصلاً، يصبح السؤال نفسه خيانة للنظام الذي يتبعه السائل! لأنه -في هذه اللحظة- تتضح الفكرة المركزية لنص الدرازي؛ فالسؤال هو شكل من أشكال الحرية والعتق، لكنه في العالم الرقمي يساوي العطب والفساد! لأن النظام لا يحتمل التساؤل، فهو مكلف بالنسبة له، بل يعيد تهيئة السائل للدخول مرة أخرى في الصف بمجرد الشك وإثارة الأسئلة التي تقتلع مسامير الثبات لدى المتحكمين فيها، ومن يصر على التمرد، يكون مصيره الطرد، مع التنكيل باختلافه عن “القطيع”.
يستخدم العرض أيضاً للرد على السؤال الفلسفي العميق: هل لا يزال الإنسان كائناً فاعلاً، أم تحول إلى بيانات وهوية قابلة للإلغاء أو التحديث؟ فاستخدام الكود، واللغة الخوارزمية، وهي لغة هجينة تجمع بين المفردات التقنية المناسبة للحالة، مثل تكرار رموز Error /Update /No Signal ليس زينة شكلية، بل تجسيداً لخلل التواصل الإنساني، ومحاكاة للغة المشفرة المشابهة لـ”لغات البرمجة”؛ حيث الأوامر الرقمية الجافة، والشاشة الصماء تغير الأنظمة كلما حان الوقت لــ”التحديث من الإصدار القديم والانتقال إلى المنصة الجديدة”، في إشارة إلى أن هذه الدورة لا تنتهي، لتحول الإنسان من كائن حي، إلى ملف يُمسح حسب الرغبة.
وحتى لا نستغرق بعيداً بوصفنا ضحايا مستسلمين لقوى تفوقنا، هذا العرض لا يتحدث عن التكنولوجيا بقدر ما يوصل فكرة الاغتراب الإنساني في ظل هذه التكنولوجيا. فالمنصة ليست جهازاً، بل ذهنية، آلية تفكير تبتلع الإنسان وتعيد تشكيله في قالب قابل للبيع والشراء والتداول. وإذا كان المسرح -منذ الإغريق- هو فن استعادة الوعي الإنساني، فإن نص “0%” يضعه في مواجهة وجودية مع زمن يُلغى فيه حضور الممثل لصالح الصورة، وتستبدل المتابعة بالتجربة. لكن المفارقة المضيئة هنا أن المسرح وحده القادر على تذكيرنا أن الجسد موجود، حتى في طغيان الآلة، والصوت البشري قادر على هدم أي تنافس إلكتروني؛ حيث الصوت الحقيقي لا يمكن بثه أو نسخه، مهما كانت الجودة.
عمل المخرج علي عادل على رؤية فنية مدروسة تضيف إلى نص الدرازي الفلسفي؛ حيث هيّأ في عمله الفكرة الموحدة، وأسلوباً متماسكاً في جميع عناصر العرض. ومن دواعي فهم المخرج للنص، أن ينجح في إبراز الموضوع الرئيسي والرسالة الجوهرية للعمل بشكل مؤثر وجذاب. وقد بدأ المخرج علي عادل منذ بوستر العرض، الذي غيَّب فيه وجوه ممثليه، واستبدل وجوهاً رقمية متماثلة بهم، كدلالة أولى للمتلقي، وربطه بعنوان العرض “0%” التي تعني -في سياق الأعداد والرياضيات- أن النسبة معدومة، في إشارة إلى انعدام الآدمية مقابل الرقمية.
وضمن السيمائية التي تحلل العلاقة بين العلامة والمتلقي والتأويل، حسب طريقة تشارلز بيرس السيمائية، يعمل العرض على إظهار منظمته الكاملة؛ حيث الصورة البصرية على توازٍ مع النص، وقيام المخرج بتأثيث الفضاء كله بالشكل الرقمي: الخلفية، والأرضية، وحتى أجساد ممثليه الأربعة الذين تماثلوا في زي موحد رسمي أسود، بلا تمييز حتى في الجندر، وفي تعدد الظل آخر العرض. ولعل المكعبات الأربعة التي وُضع عليها (الباركود)، وهو التمثيل الضوئي لبيانات على شكل خطوط معينة، ظهرت من بعيد على شكل حجر النرد، لكنها لم تخّل بالمشهد العام. وحتى الشاشات التي كانت تتغير مع الحوارات، عمقت الفكرة أكثر في شكل الرقمنة التي ظهرت عليه. وتأكيداً على فهم المخرج لسؤال النص ومعناه، وضع -في ربع الشاشة الخلفية التي ظهرت أكثر من مرة- شاشة التلفزيون في وقت ما قبل الفضائيات؛ حيث كان البث محدوداً بساعات معينة، وكانت هذه الشاشة بمثابة علامة أن البث لم يبدأ بعد؛ وظهورها في جزء من الصورة دلالة على انتهاء هذه الفترة وتوابعها من عمر الإنسانية، باعتبار ظهور الأحدث والأسهل.
طبيعة الأداء بين الممثلين متوازنة في الأداء الجماعي، دون هيمنة أو غياب لأي ممثل على حساب آخر، والتجسيد الذي يجب أن يكون متسقاً ومتقناً مع رؤية العرض؛ لأن الجميع يظهرون بلا تمييز، حتى مع تأكيد العرض لبعض العبارات المهمة المكتوبة بالنص مثل: أنا للبيع/ المنصة والسوق سيداي المبجلان، والتي كُررت أكثر من مرة لترسيخ الفكرة. ورغم أن المؤلف عيسى الدرازي لم يعطِ شخصياته أسماء، في إشارة إلى محو الصفة البشرية عنهم، واعتبارهم أرقاماً قابلة للحساب والمحو وإعادة الإنتاج، وأعطاهم بدل ذلك توصيفات هي: متربص/ متمرد/ تافه/ وجشع، لكن هذا سيبدو صعباً، كون هذه الشخصيات تتصرف وفق ترتيب رأسي، من الأسفل إلى الأعلى، ابتداء من الممثل الذي يمثل النموذج العصري في الظهور بأي صورة من أجل إعلاء نسبة المشاهدات، في حين أن صفتيْ المتربص والمتمرد لا تُعرفان إلا عند قراءة النص وتتبع سلوك الشخصيات. وحتى الممثلة الوحيدة بينهم، لم تُعرف بصفتها التي سماها بها المؤلف؛ لأن طبيعة شخصيتها محايدة، ومكملة لبقية الأدوار ضمن المجموعة، وليست بسلوك متفرد، رغم إضافتها جملة “حتى أنت يا بروتوس” التي وردت في مسرحية “يوليوس قيصر” لشكسبير، في إشارة لخيانة أقرب الناس وطعنه مع المتآمرين، وتلك خيبة كبيرة، لا تتوافق ووجود الشكل الآلي في التعامل بينهم، إلا إذا كان المؤلف والمخرج لهما مقصد لم يصلني شخصياً.
لهذا ستكون قراءة الشخصيات أوضح لو قرأت من الأعلى إلى الأسفل، حتى يمكن تبرير أفعال الجشع وتصرفاته التي تتكئ على متطلبات الأعلى منه. ورغم هذا، يمكن التبديل بين الشخصيات باعتبار عدم نمطيتها. تجدر الإشارة أيضاً إلى المؤثرات الصوتية والموسيقى المؤلفة خصيصاً للعرض، والمتناسبة جداً مع برودة الوضع، وعدم إنسانية الحدث؛ حيث إنها أصوات بلا روح، وتلك إجادة جاءت منسجمة مع أداء الممثلين، واستخدام بعضهم الأداة الصوتية التي ساهمت في إظهار روح للحوار المتكرر/ المكثف/ البارد وغير الآدمي.
في النهاية، يقدّم العرض المسرجي “0%” حدثاً يتجاوز حدود سرد عصري للإنسان، إلى فضاء تأملي، يفضح فيه انهيار الإنسان في العالم الافتراضي، عبر نص مكتوب بروح باردة، وبشكل أفقي، يكشف بشكل واضح وفاضح تحكم السوق والمنصة، وكشف ضعف النفس البشرية وتعاملها مع المؤثرات والمغريات، لكنها تضمر حرقة على الإنسان الذي فقد آدميته. العرض يسجل عجز الإنسان عن مغادرة المنصة، وكل محاولة للتحرر تُعاد برمجتها بوصفها محتوى جديداً، أو حدثاً لا يوجد فيه تصاعد، بل حدثاً مكثفاً لا التباس فيه، ولا يحتفي بالتقنية أو منصة، بل يحاكمها في العودة إلى الوعي، عسى أن نسترد النسبة الكبيرة المفقودة من الوعي والحرارة والنبض فينا.
- عرضت هذه المسرحية في مهرجان البحرين المسرحي الرابع،من تأليف عيسى الدرازي/إخراج علي عادل/ تمثيل: طارق شناعة،عالية إبراهيم،أحمد المحفوظ، علي أبوديب/تأليف موسيقى حسن شمس/الفيديو والتقنيات: محمود الشيخ، عبدالله كويد/ سينوغرافيا فاطمة منصور ومن إنتاج مسرح الصواري


