البطالة وأبو شلاخ البرمائي

0
187

“أبو شلاخ البرمائي” هي رواية لغازي القصيبي، أصدرتها المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام 2002. تمزج الرواية بين الخيال والواقع بمزيج من السخرية السوداء. تتمركز أحداثها حول شخصية عربية أصيلة تتلو الأكاذيب، وتتضمن إسقاطات على الواقع العربي.

تتخذ الرواية شكل حوار مطول بين شخصية أبي شلاخ والصحفي توفيق، الذي يحاور أبا شلاخ طوال الرواية ويسأله عن مختلف جوانب حياته. ويُستشف من الاسم أن “أبا شلاخ” شخص كثير الكذب و”الشلخ”. فالشلخة تعني المبالغة العظيمة، وأبو شلاخ هو صاحب الشلخات الدائمة المتكررة.

عند التأمل في واقعنا السياسي، نجد أن بعض المسؤولين الرسميين لا يختلفون عن شخصية أبي شلاخ، فالتصريحات والإحصائيات والأرقام التي يطلقونها تتعارض مع الواقع، وتثير سخط المواطنين وسخريتهم.

تُمثل شخصية “أبي شلاخ” في الرواية تجسيداً ساخراً للخطاب السياسي المجرد من المضمون، حيث يستخدم الوزير في الرواية لغة ملتوية وحججاً واهية لتمرير روايته المشوهة للواقع. وهذا ما يعكسه واقعياً بعض المسؤولين الذين تتحول تصريحاتهم إلى طقوس كلامية مكررة، تفتقر إلى المصداقية ولا تعبر سوى عن فجوة عميقة بين الخطاب الرسمي والمعاناة اليومية للمواطن. فكما يقدم أبو شلاخ في الرواية “الحقائق المائية” – في إشارة إلى برائيته – يقدم بعض الوزراء “إحصائيات هوائية” تتبخر عند أول مواجهة مع الواقع.

على سبيل المثال لا الحصر، أحد الوزراء في الدول العربية يتباهى مراراً خلال العام بتوظيف آلاف المواطنين العاطلين عن العمل، زاعماً أن نسبة البطالة لا تتجاوز 4% وهي من أدنى النسب عالمياً. بينما يعلم الجميع أن نسب البطالة الحقيقية في هذا البلد النفطي في تزايد مستمر.

ويأتي مسؤول آخر ليتفاخر بأولوية تدريب المواطنين وتأهيلهم وتوظيفهم في القطاعين العام والخاص. في حين أن الواقع يُشير بوضوح إلى سيطرة الوافدين على معظم المهن، وأن الأسبقية في التوظيف تُمنح للأجنبي على حساب ابن البلد.

شخصية أبي شلاخ تنتمي إلى الموروث الخليجي، فقبل انتشار الصحف والإذاعة والتلفاز، كانت وسائل الترفيه محدودة، كانت بعض القصص والمغامرات الخيالية التي يرويها أبو شلاخ يصدقها كثيرون في المجتمع. أما في زمن التطور الهائل في وسائل الاتصال ووسائل التواصل الاجتماعي، فإن “تشليخات” المسؤول لا تنطلي حتى على أبسط الناس.

وإذا كان “أبو شلاخ البرمائي” في رواية القصيبي يقدم أكاذيبه في إطار فني هزلي يدفع القراء إلى الضحك والتأمل، فإن “الوزير أبا شلاخ” في واقعنا العربي يقدم خطابه المتناقض مع الواقع في قالب جاد ومنمق، مما يجعله أكثر خطراً وأعمق تأثيراً. فالأول يثير السخرية كرد فعل طبيعي على اللامعقول، بينما يثير الثاني الغضب والإحباط كرد فعل على التعتيم المنظم. وهنا تكمن المفارقة الأليمة: أن تتحول الشخصية الكاريكاتورية إلى نموذج حي لممارسات رسمية في عالمنا العربي.

يتمحور الاختلاف الجوهري بين شخصية “أبي شلاخ البرمائي” في رواية غازي القصيبي و”المسؤول الشلاخ” في الغاية من ممارسة “التشليخ”؛ فبينما يتخذ منها الأول وسيلة للمبالغة والسخرية في وصف الأحداث، يمارسها الثاني بهدف طمس معالم الواقع وتبديل الحقائق.