لعل المتتبع للواقع العربي المؤلم يلاحظ، انتكاسات عميقة في مختلف الميادين والمجالات. ففي وقت يواصل فيه العقل الغربي البحث عن أسباب الرقي والتطور لشعوبه بما يضمن لهم الحرية والكرامة والمساواة والعدالة الاجتماعية يواصل العقل العربي انكساراته المتتالية. فلا نحن استطعنا إنتاج العقل البرهاني ولا العقل البياني ولا العقل العرفاني، كما تحدث عن ذلك مفكرون عرب كثيرون.
هذا ما ذكره الكاتب من المغرب عبد الفتاح عزاوي في مقالٍ قديمٍ نشر على موقع “العربي الجديد”.
في هذا الصدد يقول: “لقد نجحت الأنظمة الشمولية في تجهيل شعوبها عن طريق احتكار سلطتي التعليم والإعلام، وتوجيهها وفق أهوائها وتوجهاتها المتناغمة مع إملاءات أطراف خارجية ووصفاتها”.
يرى المفكر الأمريكي، نعوم تشومسكي، أن من أهم استراتيجيات التحكم في الشعوب إلهاء انتباه العامة عن القضايا والتغييرات الاجتماعية المهمة التي تحدّدها النخب السياسية والاقتصادية، من خلال تصدير كم كبير من الإلهاءات والمعلومات التافهة، ومنعها من الاطلاع والمعرفة الأساسية بمختلف مجالات العلوم والاقتصاد وعلم النفس البيولوجي. فضلًا عن أنه يجب أن تكون جودة التعليم المقدّم للطبقات الدنيا، رديئة بشكلٍ يعمّق الفجوة بين تلك الطبقات والطبقات الراقية التي تمثل صفوة المجتمع، ويصبح من المستحيل على تلك الطبقات الدنيا معرفة أسرار تلك الفجوة.
ووفقًا لكاتب المقال عبدالفتاح عزاوي، تكون محصلة هذه السياسات الممنهجة مزيدًا من تسطيح الفكر والتجهيل والتخلف على مختلف المستويات والأصعدة، وتفكيك البنى الاجتماعية بزرع بذور الفرقة الطائفية والتناحر بين أبناء الوطن الواحد.
لم تترك ثقافة التسطيح الفكري والثقافي مجالًا إلا وغزته، كالفطريات التي تنتشر وتتكاثر بسرعة فائقة، حيث أصبحنا نراها في البرامج التلفزيونية وفي حوارات من يتدبرون أمر تدبير الشأن العام، وفيما تعرض مواقع إلكترونية وصحف صفراء عديدة، وفيما يدلي به مثقفون ومحللون سياسيون واقتصاديون كثيرون، وكلّ من يرمز للسياسات الفاشلة.
لا يمكن محاربة ثقافة التسطيح من دون تغيير حقيقي في واقع منظومة التربية والتكوين، لتساير الواقع المعاش المتصف بالتغير والتطور المضطرد يومًا بعد يوم. لأن الاستثمار البشري وحده الكفيل بتحقيق مقومات التطور والازدهار وحجز مقعد مع الدول المتقدمة، ما عدا ذلك تصبح أوطاننا العربية سائرة في طريق التخلف.
حين تناولت الأكاديمية د. جمانة جاسم الأسدي ظاهرة تسطيح العقول في البيئة العربية أشارت إلى أن ظاهرة تسطيح العقول من التحديات الثقافية والفكرية التي تعاني منها العديد من المجتمعات المعاصرة، ولاسيما في البيئة العربية، ويقصد بتسطيح العقول عملية تفريغ الوعي من مضامينه النقدية والتحليلية، وتعويد الأفراد على استهلاك المعرفة السطحية والسريعة دون تدبّر أو فحص، هذه الظاهرة لا تنشأ فجأة، بل نتاج تراكمات اجتماعية، وسياسية، وتعليمية، وإعلامية تؤثر بشكل مباشر في بنية الوعي الجمعي، وتسطيح العقول هو تقليص قدرات الأفراد على التفكير النقدي والتحليلي، وتحويلهم إلى متلقين سلبيين للمعلومة دون مساءلتها أو التأمل فيها، إنه تغريب للفكر عن عمقه، وتحويل الإنسان إلى مستهلك للمعرفة السهلة، بدلًا من أن يكون منتجًا لها أو ناقدًا لها.
ولعله من المناسب هنا أن نشير إلى كتاب “نظام التفاهة” للفيلسوف الكندي د. آلان دونو، الذي، بحسب ما كتبه د. مازن سليم خضور، وهو باحث وأكاديمي سوري متخصص في علم النفس الإعلامي، تحت عنوان “تسطيح العقول .. منظومة تتجاوز منصات التواصل”، تشير الفكرة المحورية للكتاب بأنّ البشرية تعيش مرحلة غير مسبوقة في تاريخها بعدما سيطر التافهون على جميع مفاصل الحياة، وتلازم مع هذه السيطرة وضع قواعد تتسم بالرداءة والانحطاط المعياري، تسببت في اختلالات في نظم الجودة والأداء، وتهميش لمنظومات القيم، وبروز للأذواق المنحطة، وخلو الساحة من التحديات، وأصبحت كل تلك الأزمات تصب في مصلحة الأسواق تحت شعارات من الديمقراطية والحرية الفردية التي أصابت معانيها الابتذال.
فالتسطيح يضرب بجذوره في المجتمعات بهدوء وإصرار، حتى أصبح الجسد الاجتماعي مصابًا بالفساد بصورة بنيوية، وتجلى ذلك في بعض مظاهر الحياة الإنسانية وهذا ما نشاهده في الظواهر الغريبة على وسائل التواصل الاجتماعي من خلال كسر كل المحركات والمقدسات بكل أنواعها، وخاصة الاجتماعية منها، والأمثلة كثيرة فيما نشاهده على منصات التواصل مخيف ويعطي مؤشرًا خطيرًا على الانحطاط والابتذال الذي وصلنا إليه، حتى أن بعض النخب وقعت في فخ هذه الوسائل بسبب الإغراءات والانجرار وراء رغبة في تحقيق (الأنا) التي تتيحها لهم تلك الوسائل من جهة أو بسبب العائدات المالية التي تأتي من خلالها – ولو على حساب المضمون – من جهة أخرى فكم من (نجم) شاهدناه على تلك المنصات بشكل لا يليق به وباسمه وبتاريخه باحثًا عن “الترند”!
الترند بالأصل مصطلح مالي يشير إلى اتجاهات السوق وحركة الأسهم صعودًا وهبوطًا وبناءً عليها يتم استخلاص النتائج واتخاذ القرارات، تم استخدام هذا المصطلح في مجالات أخرى لاسيما في السوشيال ميديا ويعني الموضوعات والقضايا الرائجة ومؤشرات الاهتمامات المشتركة التي يتناولها مستخدمو التطبيقات الاجتماعية، وغالبًا ما ينشغل الجمهور بمثل تلك القضايا والموضوعات ويتحدثون عنها في منشوراتهم مع أصدقائهم بصورة كبيرة.
حالات الإسفاف في المضمون – بحثًا عن ترند – أكثر من أن تعد أو تحصى لاسيما في اختراق خصوصيات المنازل وتشويه قيم المجتمع، وبالأخص قيم الأسرة، فبتنا نشاهد تحدي التعري أو تبادل الأحاديث الجنسية وغيرها من التحديات في ظاهرة لا توجد تسمية تلخصها إلا “الدعارة الإلكترونية”.
ومن جانب آخر هناك أيضًا جانب يشكل خطرًا كبيرًا على حياة الأفراد والأمثلة كثيرة، فعلى سبيل المثال هناك تحدي “القفز من القوارب” حيث ظهر أشخاص يقفزون في البحر من على قوارب متحركة وكانت النتيجة لدى البعض مأساوية.
فيما رُفعت دعوى قضائية ضد تيك توك في كاليفورنيا نتيجة وفاة طفلتين شاركتا في تحدي التعتيم (بلاك أوت تشالنج)، الذي يشجّع المستخدم على خنق نفسه حتى الإغماء حيث يقوم الشخص بحبس الأنفاس حتى فقدان الوعي! فيما سجلت وفاة عدد من الأطفال في إيطاليا وأستراليا ودول أخرى اعتبرت مرتبطة بتحدي التعتيم.
ختامًا في ظل السيطرة المخيفة لتكنولوجيا المعلومات ومواقع التواصل الاجتماعي بتنا فعلًا أمام تعويم ما تحدث عنه كتاب “نظام التفاهة” وما انتهى به الكتاب من أن السبيل للإطاحة بنظام التفاهة لا يمكن أن يتم إلا بكيفية جماعية أو ما يصفه بـ “القطيعة الجمعية” مع ما يستلزمه ذلك من طرق تفكير إبداعية لإنهاء وجود المؤسسات والقواعد التي تضر بالصالح العام .. ينتقد المؤلف بروتوكولات المجاملات الاجتماعية ويستغرب من جعل دور وسائل التواصل منابر يعتليها التافهون لتحسين صورتهم والبحث عن تافهين آخرين يتفقون على لعب الدور في نظام التفاهة.
كاتب بحريني وعضو التقدمي



