“هُرمز” ذريعة لرفع الأسعار

0
2

لم تعد تداعيات الأزمة الإقليمية واضطراب الملاحة في مضيق هرمز تقف عند حدود حركة السفن والشحن، بل بات أثرها يظهر بصورة متزايدة على فواتير التسوق اليومية، وسط ارتفاعات طالت عدداً من السلع والمنتجات الاستهلاكية في الأسواق المحلية، وأثارت تساؤلات حول مدى ارتباط كل هذه الزيادات فعلياً بكلفة الاستيراد والشحن.

ولا شك أن الأزمة أحدثت ضغوطاً حقيقية على سلاسل الإمداد. فحركة الملاحة عبر المضيق تراجعت بصورة حادة، وارتفعت تكاليف التأمين والمخاطر والشحن، فيما اضطر بعض المستوردين إلى استخدام مسارات بديلة أطول وأكثر كلفة. وأظهرت بيانات حديثة استمرار حركة السفن عبر المضيق عند مستويات متدنية للغاية مقارنة بما كانت عليه قبل الأزمة.

إلا أن المشهد في الأسواق المحلية لا يتمثل، في أزمة نقص  في المواد الأساسية بقدر ما يتمثل في ارتفاع الكلفة على المستهلك. فالسلع الأساسية متوافرة في منافذ البيع، فيما أصبح المواطن يواجه زيادات متلاحقة في أسعار منتجات غذائية واستهلاكية مختلفة، بعضها شهد ارتفاعات كبيرة؛ إذ رصدت تقارير محلية أخيراً زيادة أسعار بعض أنواع السلع بنحو 20 في المائة، بينما سجلت بعض المنتجات  الاخرى ارتفاعات وصلت إلى 150 في المائة.

فليس كل ما يصل إلى السوق المحلية يأتي بحراً عبر المضيق. قطاع النقل البري بين البحرين ودول مجلس التعاون لا يزال يعمل عبر شبكة الطرق الخليجية وجسر الملك فهد، وأكدت تقارير قطاع الشحن استمرار حركة الشاحنات بين دول الخليج، على الرغم من ارتفاع بعض الرسوم والضغوط التشغيلية. ولذلك فإن تأثير الأزمة يختلف من سلعة إلى أخرى وفق بلد المنشأ ومسار النقل وكلفة التأمين والتخزين الفعلية.

صحيح أن بعض البضائع التي تصل براً قد تكون قد بدأت رحلتها أصلاً عبر البحر، وبالتالي يمكن أن تتأثر بصورة غير مباشرة باضطرابات الملاحة، إلا أن ذلك لا يعني أن تصبح الأزمة مبرراً تلقائياً لزيادة سعر كل سلعة، خصوصاً المنتجات القادمة مباشرة من أسواق خليجية أو عبر خطوط برية مستقرة.

كما أن البيانات التجارية تظهر قدرة السوق على التكيف مع الأزمة وتنويع مصادر الإمداد. فقد سجلت الواردات الأساسية، زيادات كبيرة بعد اضطرابات سلاسل توريد المنتجات الاستهلاكية مقارنة بمستويات بداية العام.

وتزداد أهمية الرقابة في ظل هذا الواقع، للتمييز بين الارتفاع الذي تفرضه فعلياً تكاليف الشحن والتأمين والاستيراد، وبين أية زيادات لا تستند إلى تغير حقيقي في كلفة السلعة.

وسبق لوزارة الصناعة والتجارة أن اتخذت إجراءات بحق منشآت ثبت لديها رفع أسعار بعض السلع الغذائية من دون مبررات فعلية، إذ أغلقت في يوليو الماضي أحد المحال إدارياً بعد رصد زيادات غير مبررة ومخالفات تتعلق بإعلان الأسعار واختلاف السعر بين الرف ونقطة الدفع، مؤكدة حينها أنها لن تتهاون مع محاولات استغلال المستهلك أو التلاعب بالأسعار.

ومع استمرار الأزمة وامتداد أثرها الاقتصادي، تبدو الحاجة أكبر اليوم إلى تكثيف الجولات التفتيشية في الأسواق، ومقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، والتدقيق في فواتير الاستيراد ومسارات وصول السلع، بحيث يكون أي ارتفاع مرتبطاً بكلفة حقيقية يمكن إثباتها، لا بمجرد الإحالة العامة إلى “مضيق هرمز”.

كما تبرز أهمية مراقبة أسعار السلع القادمة عبر المنافذ البرية بصورة خاصة، والتحقق من أسباب ارتفاعها ومدى تأثرها الفعلي بالأزمة، إلى جانب تشديد الرقابة على أسعار البدائل التي ظهرت في الأسواق نتيجة تغير مصادر الاستيراد، بما يضمن عدم تحميل المستهلك كلفة إضافية مقابل منتجات أقل جودة أو قيمة.

فالارتفاعات الصغيرة، حين تطال عشرات المنتجات في سلة الأسرة، لا تبقى صغيرة في نهاية الشهر. عشرة أو عشرون أو خمسون فلساً إضافية على كل منتج تتحول مجتمعة إلى دنانير تستقطع من دخل أسرة تواجه أصلاً ارتفاعاً مستمراً في تكاليف السكن والكهرباء والوقود والنقل والغذاء.

وفي الوقت الذي تتحمل فيه الأسواق جانباً حقيقياً من كلفة الأزمة الإقليمية، تبقى حماية المستهلك من الزيادات غير المبررة مسؤولية رقابية أساسية، بما يتطلب حضوراً أكثر كثافة في الأسواق وصرامة في مساءلة أي منشأة ترفع الأسعار من دون سند واضح، حفاظاً على القدرة الشرائية للمواطن ومنع تحول الأزمة إلى “شماعة” تعلق عليها زيادات لا علاقة مباشرة لها بمضيق هرمز.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا