
ليست كل الأسئلة التي تُطرح في اللقاءات المسرحية تنتهي بانتهاء الجلسات. فبعضها يظل معلقاً في الذهن، يستدعي أسئلة أخرى، وربما يدفعنا إلى مراجعة ما كنا نظنه مستقراً في تاريخنا المسرحي. والأكثر إثارة أن السؤال الذي يبدو بسيطاً في ظاهره، قد يكشف عن مساحات لم نقترب منها بما يكفي، لا لأن الإجابات غائبة بالضرورة، وإنما لأننا لم نعتد النظر إليها من تلك الزاوية.
هكذا وجدتُني أعود إلى سؤال طرحه الروائي أمين صالح خلال فعالية (كيف تصبح مخرجاً فاشلاً؟) للفنان حسين عبدعلي، حين تساءل عن حضور كلاسيكيات المسرح العالمي على الخشبة البحرينية، من شكسبير إلى تشيخوف وإبسن، وعن موقع هذه النصوص في تكوين الممثل وتطوير أدواته. لم يكن السؤال، كما تلقيته، مجرد استفسار عن عناوين قدمت أو لم تقدم، وإنما مدخلاً للتفكير في طبيعة التجربة المسرحية البحرينية، وما أتاحته للممثل من فرص لاختبار قدراته.
ولعل أول ما يستدعيه هذا السؤال هو العودة إلى الوثيقة، لا بحثاً عن إجابة تنهي النقاش، وإنما عن شواهد تساعدنا على طرحه بصورة أدق. ففي تجربة مسرح أوال وحدها، نجد (المفتش) لنيقولا جوجول عام 1979م، من إعداد حسن عون وإخراج سامي القوز، و(نداء الدم) التي قدمها خليفة العريفي عام 1991م بوصفها رؤية في (مكبث) لشكسبير، و(الجلف) لأنطون تشيخوف من إخراج عبدالله سويد عام 2006م، وصولاً إلى (رماد من رماد) لهارولد بنتر من إخراج عيسى الصنديد عام 2018م. بل إن الأرشيف يحتفظ بتجربة أخرى مع نص بنتر (الحارس) من إخراج محمد عواد، خاضت الفرقة تدريباتها دون أن يصل العمل إلى الجمهور.
هذه الشواهد، التي توثقها إصدارات مسرح أوال -فقط-، لا تختزل تاريخ اشتغال الفرق البحرينية على النصوص العالمية، لكنها تكفي لنفي الغياب المطلق، وتفتح سؤالاً أكثر أهمية: هل تحول حضور هذه النصوص إلى ممارسة فنية متراكمة، أم ظل مرتبطاً بمبادرات وتجارب متفرقة؟ وهل كان الاشتغال عليها جزءاً من مشروع لتكوين الممثل، أم اختياراً تحكمه ظروف كل عرض؟
فثمة مسافة بين نقل النص إلى الخشبة، وبين الدخول إلى عالمه الدرامي، واستيعاب تحدياته الأدائية والفكرية. فليس كل من قدم شكسبير قد امتلك أدوات التعامل مع شخصياته، مثلما لا يكفي الوقوف أمام نص لتشيخوف كي يستطيع الممثل النفاذ إلى ما تخفيه شخصياته خلف الكلمات والصمت. فالنصوص الكبرى لا تمنح الممثل مهاراته بمجرد تقديمها، وإنما تضعه أمام اختبارات تستدعي البحث، والتدريب، وفهم العلاقات بين الشخصية وظروفها، وبين الفعل ودوافعه.
ولعل الأمر يشبه الفنان التشكيلي الذي يقفز إلى التجريد قبل أن يختبر إمكانات الرسم وأدواته. لا يعني ذلك أن الإبداع يخضع لسلم تعليمي واحد، وإنما إلى معرفة القواعد التي تمنح الفنان قدرة أوسع على تجاوزها بوعي. لكن هل الكلاسيكيات وحدها هي الطريق إلى تكوين الممثل الجيد؟
لا أعتقد ذلك! فتاريخ المسرح حافل بتقاليد أدائية ومدارس جمالية مختلفة، بعضها لا ينطلق من النص الأدبي أصلاً، وبعضها يمنح الجسد والارتجال موقعاً يتقدم على الكلمة المكتوبة، كما أن النصوص العربية والمحلية قد توفر للممثل تحديات لا تقل تعقيداً عن النصوص العالمية. ولذلك لا تبدو القضية في المفاضلة بين شكسبير والكاتب المحلي، وإنما في تنوع الخبرات التي تتاح للممثل، وقدرته على الانتقال بين عوالم درامية مختلفة دون أن يظل أسير أدوات يكررها من عرض إلى آخر.
ومن الإنصاف أن نتذكر أن التوجه إلى النص المحلي لم يكن دائماً نتيجة غياب الخيارات الأخرى، بل كان في مراحل من تاريخ المسرح البحريني تعبيراً عن رغبة واعية في تأسيس خطاب يتصل بالمجتمع وقضاياه. وتكشف تجربة مسرح أوال -على الأقل- عن حضور واضح للمؤلفين البحرينيين في بداياتها، قبل أن تتسع خياراتها إلى النصوص العربية والعالمية. وهو توجه يمكن فهمه في سياق الحاجة إلى بناء مسرح محلي له لغته وموضوعاته وجمهوره، لا بوصفه انغلاقاً على التجارب الأخرى.
غير أن الاعتراف بمشروعية هذه الخيارات لا يمنعنا من مساءلة نتائجها. فالسؤال ليس ما إذا كان ينبغي تقديم شكسبير بدلاً من الكاتب المحلي. وهنا يغادر السؤال منطقة الاختيارات الجمالية، ليدخل إلى واقع الإنتاج المسرحي وشروطه. فالمسرح البحريني، الذي قام جانب كبير من تجربته على جهود الفرق الأهلية، والتطوع، والشغف الفردي، يواجه تحديات تتصل بفرص الإنتاج واستمراريته. وقد تكشف الأرقام أحياناً عن نشاط مسرحي لافت، دون أن تعكس استمرارية الإنتاج. ففي قراءته للعقد الخامس من تاريخ مسرح أوال، يلفت الباحث د.محمد حميد السلمان إلى أن ارتفاع عدد العروض ارتبط في جانب منه بالمهرجانات، وليس بغزارة الإنتاج الجماهيري وحدها. وهي ملاحظة تستحق التوقف عندها؛ لأن وجود عروض كثيرة في برنامج مهرجان لا يعني أن الممثل يمتلك فرصاً منتظمة للعمل طوال العام. فالممثل لا يتكون في الورش التدريبية وحدها، وإنما عبر تراكم التجارب، وتعدد الشخصيات، واختلاف المخرجين، ومواجهة الجمهور، واكتشاف الأخطاء. وحين تتباعد المسافات بين عرض وآخر، يصبح هذا التراكم أكثر صعوبة، وقد يجد الممثل نفسه مطالباً بتقديم أداء ناضج، دون ممارسة منتظمة تسبق التجربة أو تتبعها.
ولا يعني ذلك التقليل من جهود التدريب التي عرفتها الحركة المسرحية البحرينية. فقد شهدت الفرق الأهلية ورشاً وبرامج مختلفة، بل إن مسرح أوال أصدر عام 1990م دراسة للدكتور إبراهيم غلوم بعنوان “تكوين الممثل المسرحي”، مما يؤكد أن الاهتمام بهذا السؤال ليس جديداً. لكن وجود التدريب شيء، وتحوله إلى مسار مستمر تتكامل فيه المعرفة النظرية مع الممارسة العملية شيء آخر. ومن هنا تبدو مساءلة تكوين الممثل البحريني أكثر تعقيداً من إرجاع أوجه القصور إلى محدودية الاجتهاد الشخصي. فلدينا ممثلون يمتلكون حضوراً وموهبة، لكن بعض التجارب تكشف تفاوتاً في أدوات بناء الشخصية، والانتقال من التعبير الخارجي إلى الاشتغال على دوافعها الداخلية. ولا ينبغي تحويل هذه الملاحظة إلى حكم عام، بقدر ما تستدعي النظر في الظروف التي تسمح للموهبة بالنمو. ولعل من الظلم أن نطالب الممثل وحده بنتائج منظومة لا توفر له دائماً شروط التطور.
ولا يمكن فصل هذه المسألة عن العلاقة غير المتكافئة بين المسرح والتلفزيون. فالممثل الذي يحقق حضوراً على الخشبة، قد يجد في التلفزيون مقابلاً مادياً وانتشاراً أوسع، بينما يظل عمله المسرحي، في الغالب، قائماً على التطوع واقتطاع الوقت من التزاماته. وليس من الإنصاف أن نلومه حين يختار المجال الذي يوفر له دخلاً وفرصاً أكبر، أو أن نقرأ انتقاله إلى التلفزيون باعتباره تخلّياً عن المسرح.
لكن ماذا يحدث حين ينجح المسرح في اكتشاف ممثل وتطوير موهبته، ثم لا يمتلك ما يكفي من الفرص لاستمرار علاقته بالخشبة؟ وماذا يحدث حين تصبح الخبرة المسرحية محطة عابرة في مسيرة تتجه نحو وسيط آخر؟ ليس التلفزيون خصماً للمسرح، لكن المشكلة تبدأ حين يفقد المسرح قدرته على توفير الاستمرارية التي تجعل العودة إليه ممارسة فنية منتظمة، لا مجرد حنين إلى الخشبة. ثم يأتي الجمهور، ذلك الطرف الذي لا يكتمل الفعل المسرحي من دونه. فهل تقاس قيمة المسرح بعدد مشاهديه؟ وهل يصبح العرض الذي لا يستقطب جمهوراً واسعاً أقل أهمية من عرض تمتلئ قاعته؟
لا أعتقد ذلك أيضاً. فالفنون لا تتساوى في طبيعة جمهورها؛ حيث إن هناك تجارب تتطلب استعداداً خاصاً للتأمل، كما أن هناك مسرحاً شعبياً يصل إلى قطاعات واسعة دون أن يفقد بالضرورة قيمته الفنية. فالنخبوية ليست قيمة جمالية في ذاتها، مثلما أن الجماهيرية ليست نقيضاً للجودة، لكن الاعتراف بحق المسرح في مخاطبة جمهور محدود لا يعفينا من مساءلة علاقته بالمجتمع. فثمة فرق بين عرض يختار جمهوره انطلاقاً من مشروعه الجمالي، وبين حركة مسرحية تضيق دائرة متابعيها لأسباب تتصل بندرة الإنتاج، أو ضعف التواصل، أو تغير أنماط التلقي. وفي الحالة الثانية، تصبح المسألة مرتبطة بموقع المسرح في الحياة الثقافية، وقدرته على بناء جمهور يتجدد مع الأجيال.
وهنا أعود إلى سؤال أمين صالح، الذي أجد فيه مدخلاً إلى أسئلة أوسع أشتغل عليها ضمن مشروعي البحثي الجديد (102 سنة مسرحية بحرينية)، الذي أسعى من خلاله إلى إعادة قراءة تاريخ المسرح في البحرين، لا بوصفه تعاقباً للعروض والأسماء، وإنما تجربة ثقافية وجمالية تشكلت داخل ظروف اجتماعية وفنية متغيرة، وتركت إنجازات وأسئلة ومسارات تستحق المراجعة. فالتاريخ المسرحي لا يُكتب بما تحقق وحده، وإنما يمكن أن نقرأه أيضاً من خلال ما لم يتحقق، وما تعذّر استمراره، وما ظل خارج الخيارات السائدة. وقد يكون السؤال عن النصوص التي لم تقدم، أو لم تتحول إلى تقاليد فنية راسخة، مدخلاً لفهم العلاقة بين الممثل والنص، وبين الفرقة ومشروعها الجمالي، وبين الطموح الفني والإمكانات المتاحة.
وليس المقصود إعادة محاكمة التجربة المسرحية البحرينية بمعايير مستوردة، أو قياس قيمتها بمقدار اقترابها من نماذج عالمية بعينها. فالمسرح البحريني أنتج تجارب مهمة، وشكل حضوره الثقافي في سياقات لم تكن سهلة، لكن الاعتزاز بهذه التجربة لا ينبغي أن يحول دون مساءلتها، مثلما لا يجوز أن تتحول مساءلتها إلى إنكار لما أنجزته. وربما كان من الضروري أن نسأل عن طبيعة النصوص التي اختارتها الفرق البحرينية، وعن الأسباب التي جعلت بعضها أكثر حضوراً من غيرها؛ هل كانت الخيارات تعبيراً عن حاجة اجتماعية وثقافية؟ أم استجابة لذائقة الجمهور؟ أم انعكاساً لإمكانات الإنتاج؟ أم نتيجة لتصورات فنية تبنّاها المخرجون والفرق في مراحل مختلفة؟
وقد لا نجد إجابة واحدة؛ لأن تاريخ المسرح لا يتحرك وفق سبب منفرد، وإنما تصنعه شبكة من العلاقات والظروف والاختيارات، بعضها واعٍ ومقصود، وبعضها تفرضه حدود الممكن. لهذا أجد أن أهمية سؤال أمين صالح لا تكمن في استدعاء شكسبير وتشيخوف وإبسن إلى الخشبة البحرينية بأثر رجعي، فقد عرف المسرح البحريني بعض هذه التجارب بالفعل، وإنما في دفعنا إلى التفكير في نوع التجربة التي صنعت الممثل البحريني، وفي المساحات التي أتيحت له كي يكتشف قدراته. فليس كل ما غاب عن الخشبة غاب لأن المسرحيين لم يرغبوا فيه، وليس كل ما حضر كان بالضرورة ثمرة اختيار جمالي حر. وبين الرغبة والإمكان، وبين الموهبة والممارسة، وبين النص والجمهور، تتشكل حكاية المسرح بما فيها من إنجازات، وتناقضات، وأسئلة مؤجلة.
ولعل السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحاً ليس (لماذا غاب شكسبير عن خشبتنا؟) بعدما عرفنا أنه حضر بالفعل، وإنما ماذا فعلنا بهذا الحضور؟ وماذا بقي منه في ذاكرة الممثل وأدواته، وفي خبرة المسرح البحريني وقدرته على التجدد؟ فالقيمة لا تكمن في أن يزيّن اسم شكسبير ملصق عرض جديد، وإنما في أن يترك مروره على الخشبة أثراً يتجاوز ليلة العرض.
المراجع
• موسى حسن، مسرح أوال.. خمسون عاماً من الإبداع، مسرح أوال، البحرين، 2020م، ص:11–12، 86، 102، 160، 169، 176.
• محمد حميد السلمان، خمسة عقود من اللؤلؤ: الجزء الأول (الرصد التاريخي للبدايات)، مسرح أوال، البحرين، 2020م، ص:24، 44، 66، 204، 285–286، 330، 358.


