
مئة عام من العزلة بين السينما والنص
في العام 1974م حاول المخرج البرازيلي غلاوبر روشا أن يستأذن الروائي الكولومبي غبرييل غارسيا ماركيز في نقل روايته “مئة عام من العزلة” إلى شاشة السينما، إلا أنه أجاب بالرفض. وكرر رفضه في مناسبات عديدة بعدها، معتبرًا أن هذا العمل، الذي كان فاتحة الواقعية السحرية في الأدب العالمي، لا يمكن اختزاله في فيلم سينمائي، دون أن تخذل الصورة المرئية ذلك الفضاء المتخيَّل الذي يفتحه النص على القارئ.
قبل أيام قدم المخرج والكاتب البحريني حسين عبدعلي جلسة حوارية عن المسرح والإخراج، أثناء الجلسة قال أحد الحضور بأنه قرأ في أحد المرات نصًا في غاية البساطة، إلا أنه ذُهِل عندما شاهده على خشبة المسرح، لأن الجمال الذي قدمه التمثيل البصري يفوق بساطة النص بكثير. من هنا جاء سؤاله: كيف يمكننا أن نُحوِّل نصًا بسيطًا إلى مشهد رائع؟
لكن من يقرأون نصوصًا أدبيةً يدركون، عندما يشاهدون الأفلام المبنية على تلك النصوص، بأن التحدي الأكبر يأتي من سؤال آخر، هو: كيف نحوّل نصًا عميقًا إلى مشهدٍ يوازيه عمقًا وإبداعًا؟ ورحت أسال: هل كان المشهد جميلًا في عين السائل، أم أن النص بسيطًا بما يكفي للإحساس بذلك الفارق بينه وبين قدرة الصانع على تحويله إلى مشهد جميل؟
يدرك الكتّاب أن البلاغة تكمن في الحذف. أن تكون بليغًا يعني أن تتحدى نفسك بقول كلام عميق بكلمات قليلة… تلك هي جمالية التكثيف، وأعتقد أن ذلك هو ما يقوم به المخرج عندما يعيد صياغة النص: بصريًا، حركيًا، وسمعيًا. أما الانتقال من نص بسيط إلى صورة حسية أعمق – دون أن أدعي معرفةً عمليةً بما يقوم به المخرجون – إلا أنه منطقيًا يبدو أسهل، ولعلي أكون مخطئًا، لأنك لا تحتاج إلى الحذف بقدر ما تحتاج إلى إضافة. والإضافة أسهل من الحَذف الفَطِن، أو ما يسميه الأدباء: فن الحذف.
من منكم قرأ رائعة ماركيز التي ذكرناها في البداية دون أن يفهم منها شيئًا؟
شخصيًا قرأتُ “مئة عام من العزلة” قبل سنوات، فكان تقييمي لأعظم الأعمال الأدبية في القرن العشرين بأنه غير مستحق لكل هذا الصيت. لكني مؤخرًا أفكر في إعادة قراءتها بعد أن شاهدت المسلسل الذي أُخرجه المبدعَين “ألكس لوبيز” و “لورا أورتيغا”. جعلني المسلسل أعيد النظر في حكمي على الرواية التي يبدو بأني لم أرَها عظيمة، لا لشيء سوى أنها لم تكن مفهومة.
أعاد المُخرجان صياغة العمل دون إخلال بالأفكار الأساسية لماركيز. لقد وضعا يدهما على جوهر العمل، وقاما بحذف ما لا يلزم. قدّما أورسولا بدلًا من خوسيه أركاديو، كشخصية مركزية، بوصفها المرآة التي نرى من خلالها الأحداث. وبيّنا بسحر الواقع في الواقعية السحرية تلك الصورة السوداء للمستعمر الذي يجيء مرتديا جِلد الحداثة الأبيض والمنفعة التجارية للآخرين، بينما هو في الأصل يسرق الأرض، وعرق الناس.
قدّم المخرجان صورة واضحة لمعنى تكرار الأسماء في الرواية وتشابهها، فليست الأسماء هي الميراث الوحيد، بل اللعنة التي تجيء معها، وتلك الأخطاء التي قام بها أسلافهم. وأوضحا، بالإضافة إلى ذلك، ما تقوم به كلتا السلطتين، الدينية والسياسية، من تشويه حين تدخلان على قرية وادعة كقرية “ماكوندو”.
إنه لمن النادر أن يحوّل صانع الدراما النص الإبداعي إلى تحفة فنية موازية، وللخوف من هذا الخذلان رفض ماركيز أن تتحول روايته إلى الشاشة إلا على شكل مسلسل طويل، وليته كان حيًا ليرى ما قدمه ذلك الحذف الدرامي من إضافة، وما رسخته الصورة من فهمٍ على الفِهم.


