لم تعد كلفة البنزين مجرد مبلغ يدفعه المواطن عند محطة الوقود؛ فهي كلفة الوصول إلى العمل، وتوصيل الأبناء إلى المدارس، ومراجعة المستشفى وقضاء احتياجات المنزل. ومع ارتفاع أسعار الوقود في البحرين مطلع أكتوبر 2026، تواجه الأسر سؤالاً متجدداً: كيف تستوعب زيادة في مصروف يومي يصعب الاستغناء عنه، فيما تتزاحم الالتزامات على الراتب؟
وبحسب إعلان لجنة تحديد ومراقبة أسعار الوقود، الساري منذ الثاني من أكتوبر الماضي، بلغ سعر لتر الجيد «91» 235 فلساً، والممتاز «95» 277 فلساً، والسوبر «98» 410 فلوس، والديزل 260 فلساً. وأوضحت اللجنة أن التسعير يعكس متغيرات الأسواق العالمية، مع استمرار دعم الديزل للصيادين البحرينيين.
ومقارنة بسبتمبر، ارتفع الجيد عشرة فلوس للتر، والممتاز والسوبر ثلاثين فلساً لكل منهما، والديزل واحداً وثلاثين فلساً؛ بزيادات تعادل نحو 4.4% و12.1% و7.9% و13.5% على التوالي. ويتفاوت أثرها بحسب نوع الوقود وحجم الاستخدام، لكن تكرار التعبئة يحول الفارق المحدود ظاهرياً إلى عبء شهري متراكم.
وتكشف المقارنة التاريخية اتساع الفجوة؛ فقبل تعديل يناير 2016، كان لتر الجيد يباع بثمانين فلساً والممتاز بمئة فلس، ثم ارتفعا إلى 125 و160 فلساً، اعتباراً من 12 يناير من ذلك العام. وبذلك صعدت كلفة خمسين لتراً من الجيد من أربعة دنانير إلى 6.250 دنانير عند التعديل، وصولاً إلى 11.750 ديناراً حالياً، بينما ارتفعت الكمية نفسها من الممتاز من خمسة دنانير إلى ثمانية، ثم إلى 13.850 ديناراً. وهذه مقارنة للوقود وحده، لا تفترض ثبات الرواتب وبقية النفقات طوال الفترة.
غير أن الدلالة المعيشية للأسعار تظهر بصورة أوضح عند مقارنتها بالأجور. فبحسب الهيئة العامة للتأمين الاجتماعي للربع الثاني من 2026، بلغ متوسط الراتب الشهري للبحرينيين المؤمن عليهم في القطاعين العام والخاص 936 ديناراً، مقابل وسيط قدره 620 ديناراً؛ أي إن نصف المشمولين يتقاضون هذا المبلغ أو أقل. وفي القطاع الخاص، بلغ المتوسط 919 ديناراً والوسيط 500 دينار. وهي أجور أفراد مسجلة، وليست صافي دخل الأسر بعد الاستقطاعات.
وتوضح الفجوة بين المتوسط والوسيط أن الاستناد إلى متوسط الرواتب وحده قد يحجب واقع أصحاب الدخول الأقل. فكلما انخفض الراتب، استحوذ الوقود على حصة أكبر منه، حتى عند ثبات الاستهلاك، وأصبحت الزيادة أصعب استيعاباً في ميزانية مثقلة بالسكن والغذاء والفواتير والديون.
ولا تُقاس وطأة الزيادة بقيمتها وحدها، بل بما تبقى للأسرة بعد الالتزامات الأساسية. فقد يدفع تأمين المشاوير الضرورية إلى تقليص الترفيه والمشتريات أو الادخار للطوارئ، خصوصاً مع تباعد مواقع السكن والعمل والمدارس. فالموظف لا يستطيع تعليق ذهابه إلى العمل، ولا يمكن تأجيل مشاوير العلاج بسهولة.
ويمتد الضغط إلى العاملين الذين يعتمد رزقهم على المركبات؛ إذ يتراجع دخلهم الصافي إذا ارتفعت كلفة التشغيل وبقي المقابل ثابتاً. وقد تنتقل بعض الزيادة إلى النقل والتوصيل وتوزيع السلع، لكن ذلك لا يبرر رفع جميع الأسعار بالنسبة نفسها؛ فالأثر يتوقف على حصة الوقود من كلفة كل نشاط.
وبالتوازي، برزت شكاوى بشأن سرعة نفاد البنزين. ونقلت «البلاد» في 24 سبتمبر عن النائب جلال كاظم المحفوظ تلقيه ملاحظات من مواطنين حول نفاده خلال مدة أقصر، رغم عدم تغير استخدام مركباتهم بصورة ملحوظة، مطالباً بفحوص ومقارنات علمية معلنة.
وتستحق هذه الشكاوى التحقق، لكنها لا تثبت تراجع الجودة أو تغير المواصفات، ولم تتضمن المادة المنشورة نتائج فنية تؤكدها. ويجب التمييز بين انخفاض الكمية المشتراة بالمبلغ نفسه، وتراجع المسافة المقطوعة بالكمية نفسها؛ فعشرة دنانير كانت تشتري نحو 40.5 لتر من الممتاز في سبتمبر، مقابل 36.1 لتر في أكتوبر. لذلك قد تتكرر زيارة المحطة دون تغير كفاءة الوقود، بينما تستلزم مقارنة اللترات المتساوية ضبط المسافة والقيادة والتكييف وحالة المركبة.
ولا تنفصل المشكلة عن التوترات الإقليمية؛ فقد ربطت تقارير «رويترز» في أكتوبر ارتفاع النفط بمخاوف الإمدادات واستمرار الصراع والهجمات على الناقلات. ويصعّب ذلك توقع انفراج مستقر، دون أن يعني استحالة انخفاض الأسعار مع تغير الظروف.
وتواجه الحكومة، ضمن هذه المعطيات، موازنة صعبة بين تخفيف الأعباء وكلفة الدعم واستدامة المالية العامة، في سوق تتأثر بعوامل تتجاوز القرار المحلي. لذلك لا يمكن اختزال الأزمة في مسؤولية جهة محلية وحدها، ولا تحديد موعد موثوق لانحسارها.
ويبقى المواطن محدود الدخل الحلقة الأضعف والأقل قدرة على امتصاص التقلبات. وتبرز الحاجة إلى بحث مساندة موجهة وفق الإمكانات المتاحة، وتحسين بدائل النقل، ومراقبة انعكاس تكاليف الوقود على الخدمات، وتوضيح نتائج التحقق من الشكاوى. فالمعيار المعيشي للزيادة ليس عدد الفلوس المضافة إلى اللتر، بل حصتها من الراتب وما تتركه للأسرة حتى نهاية الشهر.


