الغرفة الزرقاء

0
120

في هذا البيت العائلي ثمّة  تاريخان، التاريخ العادي الذي يسير على مهل والتاريخ الاستثنائي الذي يظهر فجأة كالوميض السريع، وكان من المؤمل أن يجري كل شيئ فيه بشكلٍ اعتيادي ورتيب حيث الوجوه ذاتها والتفاصيل اليومية ذاتها، لكن شاءت الصدف أن يحظى هذا البيت بغرفةٍ في طرفٍ قصيٍّ منه. غرفة فارغة متوارية نسبيا غير مأهولة رغم اتساع نوافذها وجمال إطلالتها. الطبيعة، كما يقال، تكره الفراغ، ولكن الفراغ يبدو ملهماً ومحفزاً للتغيير الإيجابي والسلبي معاً. 

وإن جاز لنا أن نحكي قصة هذا البيت فسوف يكون لهذه الغرفة النصيب الأكبر من الدراما ومن احتدام المشاعر والخوف والفرح والترقب والانتظار. في البداية بدت هذه الغرفة العلوية المسالمة متسعاً للعب الأطفال ومشاركة أقرانهم وأصدقائهم فيها، كانوا صغاراً لا تتجاوز أعمارهم السادسة والسابعة، وكان بإمكانهم أن يفعلوا فيها ما يشاؤون، فلا أحد يقيم وزناً للترتيب والنظام في الغرفة المنسيّة البعيدة عن الأنظار وعن الرقابة. أثناء لعب الأطفال وبعيداً عن الأعين الفاحصة، أقدم أحدهم على إغلاق الباب من الداخل وأضاع المفتاح، مضت عدة ساعات والأطفال في الداخل عاجزين عن الخروج، يعتصرهم الخوف ويتسرب إليهم الجوع والعطش.

 تعالت الأصوات واحتدمت الآراء، كان أمام العائلة خياران، إما كسر الباب أو اللجوء إلى مساعدة ادارة الدفاع  المدني، وماهي إلا نصف ساعة حتى تمّ اقتحام الغرفة من إحدى نوافذها في الخارج وتحرير الأطفال المرعوبين بداخلها.

في فترة المراهقة شهد البيت أعاصير المراهقة وزوابعها وذلك التحوّل العميق في شخصية الأبناء ورغبتهم في إثبات ذواتهم والتجرأ على منازعة ومشاكسة آباءهم، ومرةً أخرى لاذ الابن الأكبر إلى الغرفة الصامتة واعتبرها قلعته الخاصة الحصينة. أقام فيها وأغلق بابها وامتنع  عن الأكل والمدرسة، ومارس فيها تمرده وعصيانه على الأوامر والنواهي الأبوية. أقدم على طلاء جدرانها باللون الاحمر وألصق على جدرانها شعاراته المعبرة عن الغضب والثورة والهوية الجديدة المتبدلة، والرغبة في المغادرة والهجرة. جرى تسميتها بالغرفة الحمراء، التي كان الاقتراب منها في ذلك الوقت ينذر بالمخاطر. 

ومضى الزمن بالبيت وأصحابه وتبدّل حال الغرفة وهدأت نسبيا شخصية الأبناء. تمّ إعادة طلائها باللون الأبيض انسجاماً مع تحوّلها إلى إستوديو موسيقي، من هذه المساحة تعالت الأصوات الجميلة والعزف على الجيتار، وحضر مدرسو الموسيقى وعشاقها من الأهل والأصدقاء. بعد عدة أيام طرق الباب أحد الجيران، قال لأصحاب البيت بنبرةٍ هادئة وحازمة: تصلني أصوات موسيقى كل ليلةٍ من تلك الغرفة المطلة على بيتي، وأشار بيده إلى الغرفة  متسائلاً: هل لديكم رخصة إقامة ستوديو في هذا البيت؟. تبيّن انّه يلمح إلى اقامة شكوى رسمية.

ودارت الأيام وكبر الصغار وهجروا البيت للدراسة، وجاءت الجدّة إلى هذا البيت بعد رحيل الجدّ، حيث جرى إغرائها بغرفةٍ جميلةٍ وفارغة تبدد وحدتها وتبقيها قريبة من أحفادها. تمّ تجديد المكان. أزيلت آثار الموسيقى والألوان ولوحات صخب المراهقة وشعاراتها المتناثرة على الجدران. أعيد طلاء الغرفة مرةً ثالثة باللون الأزرق الفاتح وجيئ بالستائر والمفارش والأثاث المنسجم، بدت الغرفة في غاية الرومانسية والهدوء، صار البيت مزاراً لكلّ أفراد العائلة، أما الغرفة الزرقاء فقد استحالت إلى صالةٍ للضيوف وقبلةٍ للأبناء والزوّار والأطباء والمعالجين. تغيّر كل شيئ في البيت على وقع الضيفة الجديدة، فقد أحدث وجود الجدة تغييراً شاملاً في البيت وفي حركته وتنوع أنشطته، وعرف أحداثا ووقائع وحكايات غير مألوفة، ظلّت العائلة تستذكرها كمحطةٍ أخيرة وجميلة في تاريخها. 

في العام 2019 حلّ كوفيد على العالم. اضطر الموظفون للعمل عن بعد، أصبحت الغرفة التي احتفظت بطلائها وألوانها وجرى تسميتها بالغرفة الزرقاء، أفضل مكان لممارسة العمل المكتبي الإليكتروني عن بعد، غرفة كوفيد كما صارت أيضاً ملاذا لمصابي كورونا والمبعدين من أفراد العائلة عن الاحتكاك والملامسة تجنباً للعدوى.  

 تبدلت الحياة الاقتصادية والأعمال والوظائف حول العالم بعد رحيل كورونا، ومرةً اخرى أغرى شغور الغرفة الزرقاء الابن الأكبر بتأسيس تجارة جديدة تعتمد الشراء والتسوق الإليكتروني، أصبحت هذه انعطافة كبرى في حياة الشاب الذي ترك  عمله المعتاد واختار التجارة الإليكترونية، كما أنّها نقلة نوعية للغرفة الطيبة التي لا ترد زائراً ولا محتاجاُ، وهكذا أعيد ترتيب الغرفة من جديد. تمّ بيع أثاثها القديم وأسرّتها وخزائنها وجاءت شحنات البضائع واستولت على المكان بالكامل. ضاعت معالم الغرفة المنزلية ذات التاريخ الحافل وصارت مخزناً رمادياً كالحاً لكنّه يدّر المال في زمن شحّة الوظائف.

حلّ زمن الحرب مجدداً في المنطقة وانعكس الوضع على البلد. أفرغت الغرفة من البشر والبضائع، وأعيد  تأهيلها مجدداً لاستقبال بعض أفراد أصدقاء العائلة المتضررين في مناطق سكناهم.

حين سكنت العائلة هذا البيت عام 1990 مع انطلاق الغزو العراقي للكويت، كانت الغرفة الزرقاء جديدة  وساكتة وصامتة، لكن نوافذها الواسعة لم تكن آمنة، فقد أشيع وقتها أنّ الغاز الكيماوي السام سيحبس الأنفاس ويخنق الرئات. جرى اتخاذ الاحتياطات اللازمة وتمّ تثبيت الشرائط اللاصقة على النوافذ والأبواب والفتحات تجنباً لتسرّب الغاز.

اليوم يرتجّ زجاج نوافذ الغرفة الزرقاء على وقع أطلاق الصواريخ المنفلتة في سماء البلد. عادت الغرفة إلى صمتها وهدوئها لكن ذلك  لا يشي  إلا بفراغٍ قصير ومؤقت كما يبدو، إذ لا تزال على استعداد دائم لتقبّل كل ما هو جديد ومختلف. كان فراغها جاذباً ومُوّلداً للأحداث ومبدداً للملل. الغرفة  التي عاشت حيوات عديدة ومتنوعة أسبغت على البيت الكثير من التجديد والحيوية والنشاط، ولا تزال غرفة حرّة، غير مملوكة لأحد، تصمت ثم يعلو ضجيجها، تمتلئ وتخلو، تقلق وتفرح، وتظل تنتظر وتنتظر.