زهر الإخاء.. حين يورق السلام من قلب الرماد

0
111

حين تندلع الحرب لا تكتفي بهدم الجدران أو تمزيق الخرائط بل هي معوّل يهوي على الروح قبل الجسد وزلزال يضرب أعمق نقطة في الوجدان الإنساني.. إنها دمار شامل لا يستثني أحدًا، فماديًا تحيل الكدح السنين إلى ركام في ثوانٍ، ونفسيًا تترك في القلوب ندوبًا لا تبرأ حيث يغدو الخوف هو الرغيف اليومي والقلق هو الغطاء.

وفي هذا المشهد العبثي يبرز الانكسار الأكبر في عيون كبارنا، أولئك الذين قضوا أعمارهم يبنون فإذا بالحرب تجعلهم يتامى الأخبار معزولين في صمتهم بعيدين عن نبض الحياة التي عرفوها يراقبون تجاعيد الزمن وهي تتقاطع مع تجاعيد الوجع خائفين ليس على أنفسهم بل على وطنٍ أرادوا تسليمه للأحفاد آمنًا.. أما الطفل في زمن الحرب فهو الضحية الأرقى إيلامًا، إذ تُسرق منه براءة التساؤل لتُستبدل بمرارة الفقد ويصبح أقصى طموحه سقفًا لا يسقط وحسنًا لا يغيب.. إن الحرب إذا دمرت ستدمرنا جميعًا ولن ينجو من رمادها أحد إذا لم ندرك أن زهر الإخاء هو النبتة الوحيدة القادرة على اختراق هذا الركام.

إننا وفي حضرة الوجع حيث تصمت المدافع ليتحدث أنين الثكالى وحيث يغدو الغبار هو المشهد الوحيد الذي يغطي ملامح الوجوه نجد ان الحقيقة الكبرى تبرز لا تحجبها غربال السياسة ولا نيران الفتن… الوطن هو الهوية التي تسبق الاسم وهو الأرض التي لا تفرق بين أقدام السائرين عليها وهو الحضن الذي يتسع لدموع المخطئ وقلق البريء على حد سواء.

إننا نعيش في زمنٍ تختبر فيه الأزمات معادن الشعوب فالحرب ليست مجرد صراع عسكري؛ بل هي محاولة لخلخلة الجذور التي تربط الجار بجاره والأخ بأخيه… وفي هذه اللحظات الفارقة نلتفت إلى كبارنا لنعلم أن الأوطان تبنى بالاحتواء لا بالإقصاء ونحتاج إلى وقفة مع الذات بعيدًا عن ضجيج التخوين لنعيد تعريف حب الوطن كفعلِ تكاتفٍ يتجاوز المذاهب متمسكين بأيدي حكمائنا الذي يوقن أن البيت الذي ينقسم على نفسه لا يصمد أمام الريح.

الوطن ليس مساحة جغرافية فحسب بل هو رائحة الخبز وصوت الأذان الممتزج بقرع الأجراس هو الحكايات التي روتها لنا الجدات.. عندما تشتعل نيران الحرب فإنها تحاول حرق هذه الذاكرة الجمعية، لكن حب الوطن يعني إدراك أننا في مركب واحد، إذا خرق جانب منه غرق الجميع ولن يشفع لأحد مذهبه إذا ما ابتلع الموج الكيان كله… الوطن هو تلك الخيمة الكبيرة فإذا ما تآكلت أعمدتها من الداخل بفعل الكراهية سقطت على رؤوس الجميع لتترك الصغير يتيم الأمان والكبير غريب الدار.

ومن أخطر الأمراض التي تفتك بنا وقت الأزمات هو وباء التعميم، الذي يحول القلوب إلى خنادق ويجعل من الهوية المذهبية أو المناطقية جدارًا عازلًا، فحين يرتكب فرد خطأ أو يذنب في حق الوطن، تسارع بعض الأصوات الغاضبة لوسم طائفة بأكملها بوشم التخوين، وهذا المنطق هو السم الزعاف الذي يفتت نسيجنا.. إن خطأ القلة لا يمثل الملايين الذين هم شركاء في الدم والألم والمصير.. عندما ننبذ فئة بسبب فعل آحادها فنحن نهدي عدو الوطن أكبر انتصار يحلم به.. تمزيق الوحدة الداخلية التي هي السد المنيع.

في الأزمات يصبح التكاتف خلف راية الوطن ضرورة وجودية لا ترفًا فكريا… إن المذاهب هي روافد متنوعة تصب في نهر واحد هو الوطن وتنوع هذه الروافد هو مصدر ثراء وقوة لا سبب ضعف وشتات… اسألوا كبار السن عن الأيام الخوالي سيحدثونكم كيف كان الجار يقاسم جاره لقمة العيش دون سؤال عن معتقده وكيف كانت الأفراح والمآتم ديوانًا واحدًا يجمع الكل.

كف الألسن عن التجريح لأن الكلمة في وقت الحرب قد تكون أمضى من الرصاصة فهي تقتل الانتماء قبل أن تقتل الجسد.

البحث عن المشتركات فما يجمعنا كبشر وكأبناء لهذه الأرض أكثر بكثير مما يفرقنا فالجوع لا يعرف مذهبًا والخوف لا يستأذن أحدًا والدم الذي يسيل في الطرقات له لون واحد يشبه لون الأرض التي ارتوى منها.

 حماية الضعيف والمنكسر أن يشعر كل مواطن مهما كانت خلفيته بأنه محمي بإخوانه في الوطن وأن انتماءه ليس محل تشكيك بمجرد وقوع أزمة عابرة أو زلة من عابر.

لقد مرّت على التاريخ أمم دمرتها الحروب الخارجية لكنها نهضت بصلابة جبهتها الداخلية وفي المقابل سقطت إمبراطوريات عظمى عجز الأعداء عن اقتحامها من الخارج لكنها تآكلت وانهارت عندما اشتعلت فيها الفتن المذهبية من الداخل.

 إن تقديم الوطن فوق كل اعتبار يعني تنحية الخلافات أمام هيبة البقاء يعني أن نصمت إجلالًا للدماء وأن نتحدث حين يكون الحديث بلسمًا للجراح وتآلفًا للقلوب.

نحتاج اليوم إلى لغة عقلانية وإنسانية في تعاملنا، لغة تعيد للإنسان إنسانيته التي حاولت الحرب تشويهها.. نحتاج أن ننظر في عيون بعضنا لنرى أحلام أطفالنا الذين لا ذنب لهم في نيرانٍ أوقدها الكبار.. إن الطفل الذي يولد في خضم الحرب لا يعرف معنى مذهب هو فقط يعرف الأمان الذي يوفره له سقف منزله.. دعونا لا نورث الأجيال القادمة أحقادنا بل نورثهم قصص التضحية ونعلمهم أن احترام الاختلاف هو أعلى درجات التحضر.

ولكي نبصر الضوء في نهاية نفق التخوين المظلم ونحمي هؤلاء الضعفاء، بات لزامًا علينا أن نعتنق ميثاقًا أخلاقيًا يرتكز في ركنه الأول على تفريد المسؤولية وصيانة الجماعة، فالجرم سياسيًا كان أم مسلكيًا هو شأن صاحبه وحده يطوق عنقه دون غيره، والعدل يقتضي ألا تزر وازرة وزر أخرى حمايةً للحاضنة الاجتماعية من طيش الأفراد ونزقهم ليبقى القانون هو الحكم والوعي هو الحارس. كما يرتكز في ركنه الثاني على قدسية النسيج الاجتماعي بجعل السلم الأهلي مزارًا مقدسًا وخطًا أحمر لا تبلغه يد العبث مهما اشتدت رياح السياسة، فالمواقف السياسية مكاسب وخسارات متغيرة يمكن استردادها أما تمزق النسيج الاجتماعي فندبة غائرة وجرح سيادي قد لا يندمل لقرون. ويمتد هذا الميثاق في ركنه الثالث ليبني جسر الثقة وإحسان الظن، ففي غمرة الأزمات ينبت الدخلاء ليزرعوا الشك ويفخخوا الدروب بالريبة، لذا يبقى إحسان الظن بابن الوطن هو الأصل الذي لا ينحرف عنه إلا هالك كونه الجسر المتين الذي يحمينا من الغرق في لجة الأوهام. وصولًا إلى الركن الرابع المتمثل في لغة البناء والاحتواء، فعلينا تنقية قواميسنا من مفردات الإقصاء والتخوين واستبدالها بأدبيات الاحتواء والمواطنة المتساوية، فهي الضمانة التي تكفل للشيوخ وقارهم وللأطفال أمانهم، فإذا استقامت الكلمة استقامت معها النوايا والمصائر.

ستنتهي الحرب يومًا وسينقشع الغبار وستبقى الأرض شاهدة على من زرع فيها شتلة حب ومن غرس خنجر كراهية.. الوطن لا ينسى من احتضن أبناءه في عسرتهم.. إننا مدعوون لنكون بناة جسور لا هادمي جدران فليكن يقيننا بأننا واحد في التعدد وقوي في الوحدة هو الوقود الذي ينير درب الخلاص.. تأملوا وجوه كباركم استمدوا من هدوئهم الصبر فهم المراسي التي تثبت السفينة في وجه العاصفة.

يا أهل الطين والمبتدأ.. نحن هذا التراب، تعجننا الآمال وتصقلنا الآلام ونملك سر النهوض من تحت الرماد. فلا تتركوا عاصفة غضب عابرة تسرق إرثًا من تعانق الأرواح، فالأوطان هي الثوابت، والمذاهب هي رؤى واجتهاد.. اجعلوا عشق الوطن أسمى عباداتكم وأجمل حكاية نخبئها في ذاكرة الأبناء.