
يحلّ يوم الأرض من كل عام ليذكّرنا بأن الأرض ليست مجرد مساحة نعيش عليها، بل كائن حيّ يحتضن وجودنا ويمنحنا أسباب البقاء. في هذا اليوم، تتعالى الأصوات المطالِبة بحماية البيئة، والحدّ من التلوث، والحفاظ على التوازن الطبيعي. غير أنّ هذا النداء الإنساني النبيل يصطدم بواقع مرير، حيث تُعدّ الحروب من أكثر العوامل تدميرًا للأرض والإنسان على حدّ سواء.
إن الحروب لا تقتل البشر فقط، بل تفتك بكل ما يحيط بهم. فالقصف المستمر يدمّر الغابات، ويُلوّث التربة، ويقضي على الحياة البرية، بينما تؤدي الأسلحة الحديثة إلى تسرب مواد سامة وإشعاعية تظلّ آثارها لعقود طويلة. وقد شهد العالم، في أحداث مثل حرب الخليج، كيف تحوّلت مساحات شاسعة إلى حقول سوداء بسبب احتراق آبار النفط، في كارثة بيئية ما زالت آثارها ماثلة إلى اليوم.
لقد أدرك الأدباء العرب مبكرًا هذه العلاقة المأساوية بين الحرب وخراب الأرض. ففي رواية مدن الملح، يصوّر عبد الرحمن منيف كيف يمكن للتدخلات البشرية الجائرة، المرتبطة بالصراعات الاقتصادية والسياسية، أن تغيّر ملامح البيئة وتدمّر التوازن الطبيعي. كما نجد في أعمال محمود درويش حضورًا قويًا للأرض بوصفها كيانًا حيًا يتألم ويقاوم، حيث يقول: “الأرضُ تورّثُ كالأسماء، لكنّها لا تُورّثُ بلا دم”، في إشارة إلى الثمن الباهظ الذي تدفعه الأرض في زمن الحروب.
أما غسان كنفاني، فقد عبّر في رواياته عن ارتباط الإنسان بأرضه، وعن الألم الناتج عن فقدانها وتدميرها، مؤكدًا أن الأرض ليست مجرد ملكية، بل هي هوية وذاكرة ووجود. وفي هذا السياق، تصبح الحروب فعل اقتلاع مزدوج: اقتلاع الإنسان من أرضه، واقتلاع الأرض من طبيعتها.
إنّ الاحتفال بيوم الأرض لا ينبغي أن يقتصر على حملات التوعية البيئية فحسب، بل يجب أن يكون أيضًا دعوة إلى رفض الحروب بكل أشكالها، لما لها من أثر كارثي على البيئة والإنسان. فحماية الأرض تبدأ بحماية السلام، إذ لا يمكن الحديث عن بيئة سليمة في عالم تمزّقه النزاعات.
وفي الختام، تبقى الأرض شاهدة على أفعال البشر: إمّا أن تكون واحة للحياة، أو ساحة للدمار. ويظلّ الخيار بأيدينا، بين أن نصون هذا الكوكب للأجيال القادمة، أو نتركه يئنّ تحت وطأة الحروب والإهمال.


