
علاقتي الشخصية مع عرض “عندما صمت عبدالله الحكواتي” من ذاكرة لا تزال حية في تفاصيلها، كأنَّها تُستعاد، ولا تروى. قبل اثني عشر عاماً، في حي الفاضل بالمنامة، جلست في مواجهة الخشبة مرتين؛ ليس مصادفة، ولكن العرض في مرته الأولى ترك شيئاً مفتوحاً في داخلي، ربما لإعادة النظر، وربما لإعادة الإصغاء، وربما -ببساطة- لأن اللعبة ممتعة.
في الليلتين؛ لم يكن الراحل عبدالله السعداوي مجرد ممثل مع ممثلين ومخرج، هم أساساً تلامذته وأصدقاؤه. كان حضوره مركباً بين الهيبة والخفة؛ هو يبدأ العرض وينتهي به باعتباره المحور؛ يدخل الخشبة ويغادرها كما لو أنه يترك أثراً لا يمحى، ويدرك كحكواتي يعرف متى يمنح الحكاية صوته، ومتى يسحب نفسه منها، تلك القدرة على التوازن بين السيطرة والتخلي، إلى وقت أن سكتت ملكة الكلام عنده. لا يبدو الصمت مجرد عارض درامي، بل يتحوّل إلى سؤال وجودي يمسّ جوهر الحكاية نفسها: ماذا يحدث حين يفقد السارد صوته؟ وهل صوته مهم أصلاً؟! وهل الحكاية امتلاك فردي، أم كيان يتجاوز صاحبه؟
اليوم، وأنا أعود إلى هذا العرض من مسافة زمنية، لا أستعيده بوصفه ذكرى شخصية فقط، بل كنص وعرض تشكّل في الذاكرة، يبدأ من لحظة صمت، لكنه لا يتوقف عن الكلام. فعمل مضى على تقديمه أكثر من عقد، لا يشاهَد اليوم بالبراءة ذاتها؛ وما كان يوماً مفاجئاً، قد يبدو اليوم مألوفاً؛ وما كان صادما قد يتحول إلى بنية قابلة للتوقع. وهذا لا ينتقص من العرض بقدر ما يضعه في اختبار جديد: هل ما زال قادراً على إنتاج نفس الدهشة الأولى؟ وهل لو قُدِّر للمخرج أن يعمل ما يسمى rebranding للعمل، سيفعلها مجدداً بشكل مغاير، أم سيحتفظ بالأثر المحفوظ في ذاكرة من حضروه؟
ينطلق نص حسين عبدعلي من مفارقة تأسيسية لافتة: حكواتي، مصدر الحكايات ومُنتِجها، يُحرم من القدرة على السرد. هذه المفارقة لا تُبنى بوصفها حدثاً غرائبياً فحسب، بل كتحوّل دلالي يعيد توزيع السلطة السردية. فبدل أن يكون الحكواتي هو مانح المعنى، يصبح متلقياً له، معتمداً على حكايات الآخرين بوصفها شرطاً لاستعادة صوته. هنا يستدعي النص الذي أعدَّ له عبدعلي، مأخوذاً من مصادر مختلفة أعلنها بوضوح: رواية (حكواتي الليل) لرفيق شامي/ ورواية (أهل البياض) لمبارك ربيع/ وقصة (غاسبار والمالك) لميليان ودولاور، وأخيراً قصة (الدرويش الثالث من ألف ليلة وليلة) التي استلَّ منها المعد أيضاً تقاليد الحكي، لكنه يقلب المعادلة؛ فبدل أن تنقذ الحكاية الراوي على الطريقة الشهرزادية، يصبح الراوي رهينة الحكايات.
في هذه اللحظة تحديداً، يتغير موقع الحكواتي جذرياً؛ إذ لم يعد حاملاً للمعنى، بل كائناً مكشوفاً أمام عجزه. ويمكن هنا استدعاء تصور رونالد بارت حول موت المؤلف أو موت “سلطة” المؤلف؛ حيث لا يبقى المعنى حكراً على من ينتجه، بل يتوزع في فعل التلقي. فالصمت، في هذه الحالة، لا يُغلق الدلالة، بل يحررها من مركزها، حتى تتبدل الأدوار، ويكون على أصحابه المقربين تحريره من صمته، حتى ولو بدت هذه محاولات يائسة، يبقى الأمل في أنها ربما تنجح.
وتتجلى أهمية هذا الانقلاب في بنية النص القائمة على التضمين الحكائي؛ حيث تتوالى خمس قصص يرويها أصدقاء الحكواتي، لا بوصفها زخرفاً سردياً، بل كاختبارات متعددة لمعنى الحكاية ووظيفتها. في قصة “ثلاث تفاحات”، تتحول إلى أداة قاتلة؛ إذ يقود السرد المضلل إلى جريمة لا رجعة فيها؛ شك في زوجة مريضة قُتلت بفعل الاستعجال وعدم التحقق!
أما في حكاية الملك والكذبة، فإن الحكي يرتقي إلى مستوى مساءلة السلطة؛ حيث تنتصر الكذبة بوصفها أداة لفضح بنية الاستبداد؛ هذا الحاكم الذي أوصاه والده حين ولّاه بالابتعاد عن الكذب والكذابين، لكنه “امتهن” استقبالهم ومكافأتهم بوزنهم ذهباً، كلما زاد وزن الكذبة وتفرعها! في حين تقدم قصة المزارع نموذجاً للحكاية بوصفها دهاءً اجتماعياً يقاوم الهيمنة بالسخرية؛ حين يعتقد مالك المزرعة أن العامل لديه ساذج وغبي، ليفرّج ضيوفه عليه، لكن سرعان ما حصل العكس، ومع هذا همس المالك لضيوفه بعد مغادرة المزارع: “مسخرته مو؟”. وتبلغ ذروة الحكايات في قصة “النافذة” حين تكون الحكاية وهماً رحيماً بكفيف قرر أن يعيش حياة لم يرها، ويصفها لزميله المريض العاجز عن النهوض في غرفتهما المشتركة بالمستشفى، حتى تنكشف الحقيقة بعد موته، وبعد أن منح حياة وأملاً لمن لا يملكهما.
لكن هذا لم يمنع لحظة الانكشاف التي واجه المتلقي بها، في الخلط بين قصصه وقصص الآخرين: “في نص القصة، تذكرت أن هذا الزبون هو صاحب القصة.. عرفت أن القصة طارت لوادٍ ثانٍ عن واديه!”. والحكواتي بهذا يعلن فقدان السيطرة على السرد، بسبب تسييل الحدود بين الحقيقة والحكاية، وهو والآخرين، وهذا -بالتأكيد- يخص جزئية فقدان الصوت لاحقاً.
هذا التعدد في وظائف الحكاية لا يُفضي إلى تعريف ثابت، بل يكشف طبيعتها المراوغة: الحكاية ليست خيراً مطلقاً، ولا شراً مطلقاً، بل قوة مزدوجة قادرة على الإنقاذ، بقدر ما هي قادرة على التدمير، وبالتأكيد هي دعوة للتفكر، وإعادة النظر في تفكيك كل يدور حولنا، أو نسمعه. ومن هنا يكتسب صمت الحكواتي بُعداً أخلاقياً؛ فهو ليس عقاباً سحرياً بقدر ما هو نتيجة تراكمية لفعل الحكي ذاته. فعبدالله، الذي بدأ بجمع قصص الآخرين وإعادة صياغتها، حتى وصل إلى مرحلة عدم إكمال القصة حتى يثير فضول مستمعيه –حتى المقربين منه-، يصل إلى لحظة تماهٍ خطرة، يختلط فيها صوته بأصوات غيره، حتى يفقد حدوده الخاصة. إن فقدان الصوت هنا يمكن قراءته بوصفه فقداناً للهوية السردية.
وتأتي شخصية المرأة/ الشبح الأسود -مصدر الإلهام- لتعزز هذا التأويل. فهي لا تمثل فقط القوة المانحة للقدرة على الحكي، بل تمثل أيضاً الوعي الضمني بالنص؛ إذ تنتقد انزلاق الحكواتي نحو التفاصيل الثانوية، وفقدانه السيطرة على خيط السرد. ويمكن اعتبار هذا نقداً داخلياً في النص (لأن النص ينتقد نفسه بنفسه). حضورها يشي بأن الحكاية ليست ملكاً للراوي، بل طاقة تتطلب انضباطاً ومسؤولية. وحين تقرر الانسحاب، فإنها لا تسلبه صوته فحسب، بل تضعه أمام اختبار أخلاقي: كيف يستخدم كلماته المحدودة؟ وماذا يقول حين تصبح اللغة مورداً نادراً؟ مع الوعد بمنحه شابة تكمل مسيرة الحكي معه فيما لو نجح في استثمار آخر سبع عشرة كلمة متبقية له! وتذكيره بألا يبعثر كلماته؛ فــ”الكلمات مسئولية”.
مع ذلك، لا يخلو النص من بعض التفاوت في الكثافة الدرامية بين الحكايات؛ إذ تبدو بعض القصص أكثر إحكاماً وتأثيراً من غيرها، أو لعلها مألوفة لدينا من مصادر أخرى غير تلك التي أشار إليها عبدعلي، ما يخلق اختلالاً نسبياً في الإيقاع العام، أو لأنها التجربة الإخراجية الأولى -حينذاك- له، والتي شارك فيها بالتمثيل أيضاً. حسين متعدد المواهب، بصنعة مركزة في المسرح وفي الكتابة الإبداعية في أكثر من مجال، وفي الرسم أيضاً، ومن الواضح أن شغفه الشديد بالقراءة والاطلاع يساهم في توسيع خياله للقصص التي تعجبه، وإعادة رسمها بتوقيعه، كما حدث في مسرحية “هاراكيري” في 2022م. كما أن بعض اللحظات الحوارية قد تميل إلى المباشرة؛ حيث تُقال الفكرة بدل أن تُجسَّد، وهو ما يحدّ أحياناً من قوة الإيحاء. غير أن هذه الملاحظات لا تنتقص من البنية الفكرية المتماسكة التي يقوم عليها النص، وبالتالي العرض.
غير أن ما يتوقف على الخشبة، لا يتوقف بالضرورة عند المتلقي. فالصمت الممدد، خصوصاً حين يُوجَّه بنظرة مباشرة إلى الجمهور، لا يترك مجالاً للحياد. هنا يمكن فهم العلاقة في ضوء ما يطرحه Erika Fischer-Lichte حول “جمالية الأداء”؛ حيث يتشكل المعنى داخل حلقة تفاعلية بين الممثل والمتلقي. في لحظة الصمت، لا يُقدَّم المعنى، بل يُنتَج ضمن هذا التوتر المشترك. وما يجعلنا نميل إلى هذا، العرض على الطريقة “الصوارية” في الأماكن غير المألوفة. فعدا اختيار المخرج المكان الحميمي المتمثل في البيت القديم، كانت كراسي المتفرجين تكاد تلتصق بالخشبة المنشأة في وسط المكان. وهنا أيضاً يكمن أحد الفروق الجوهرية بين النص والعرض. فبينما يترك النص سؤال الصمت مفتوحاً على احتمالات متعددة، يميل العرض إلى تثبيته كتجربة مُعاشه عبر هذا القرب بين المتلقي والممثلين.
ومعني بهذا القرب أيضاً عدم وجود أي خدع أو تمويه بين العرض ومتلقيه، مثل اتفاق ضمني بأنها متعة وفرجة وتسلية، لكن للمتفرج الحق في استيعاب محتواه، والتفكير في صمت عبدالله الحكواتي/ السعداوي/ الشخصية المحورية في العرض وخارجه؛ في علاقة الرعاية والأستاذية بينه وبين ممثليه، وهذا الانسجام المحسوس والمرئي، إلى درجة أنه حينما صمت، انتقل ما كان يروى على الخشبة إلى داخل المتلقي، وفي أي زخرفة سينوغرافية غير ضرورية، والملابس محايدة ولا مكياج دالاً، وقطع الديكور البسيطة متعددة الاستعمال على خشبة محدودة ومكشوفة للجميع، لا زيف ظاهرياً على الإطلاق -ولا حتى التفاحة تفاحة!-، لعل الإضاءة هي الاستثناء الوحيد الذي به دلالة الانتقال أو التغيير من حال لآخر.
وبعد الحكايات المتتالية، نأمل أن يستعيد الحكواتي صوته المفقود، ومهارته السردية، لكن؛ كما يؤْثر عبدالله تعليق مريديه في حكاياته غير المكتملة، تنتهي المسرحية بنهاية مفتوحة، يظل فيها الحكواتي على حافة الكلام، دون أن نسمع صوته. وهذه النهاية، بدل أن تكون نقصاً، تمثل ذروة دلالية؛ إذ تنقل مركز الثقل من استعادة الصوت إلى الإصغاء. فالحكايات قيلت، وأثرها تحقق -على بعضنا على الأقل!- سواء عاد الصوت أم لم يعد، وكأنَّ عرض “عندما صمت عبدالله الحكواتي” يلمّح إلى أن القيمة الحقيقية لا تكمن في امتلاك الحكاية، بل في تداولها، في قدرتها على العبور بين الذوات، وتحويل الحكاية من وسيلة للمتعة، إلى أداة معرفية وأخلاقية معقدة، ويضع المتلقي أمام سؤال جوهري ذي تفرُّع: هل نروي لنكشف الحقيقة فعلاً؟ وهل القيمة في الكلام، أم في أثره؟ وربما الأهم أن نختار أي نوع من الحكايات نصدق، كما فعل المريض الكفيف ذو الخيال الطلِق لزميله العاجز في المستشفى، حينها نستطيع القول إن العرض لم ينتهِ بصمت الحكواتي، بل بدأ عند دور المتلقي، بوصفه الرّاوي الأخير.


