سيد جعفر الوداعي… مناضل عشقَ الحزبَ والوطنَ

0
4
فاضل الحليبي

يوم الأحد 30 أغسطس 2026، رنَّ هاتفي النقال في تمام الساعة 12:12 ظهرًا. المتصل كان الدكتور شبر الوداعي ليخبرني: سيد جعفر في ذمة الله. كان خبرًا صاعقًا، كيف حدث ذلك؟… يقول شقيقه الدكتور شبر: قبل الاتصال بك وصلني خبر وفاته.

قبلها بيوم، عند الساعة 5:45 مساءً كنت في زيارته في المستشفى، وكان يتحدث معنا (بوجود ابن عمه السيد يوسف فاخر الوداعي)، والابتسامة لا تفارقه، ويخبرنا بأنه سوف يُنقَل غدًا، أو بعد غدٍ، إلى مركز محمد بن خليفة المتخصص في أمراض القلب لإجراء عملية قسطرة في القلب، ويقول إن ابنه سيد زكي قال له: لا تجري العملية. قلت له: هذه عملية قسطرة ليست خطرة، مثل عملية القلب المفتوح.

لا أعرف كيف انتكست حالته الصحية في اليوم الثاني، ولم يستطع الأطباء والممرضون إنقاذ حياته.

أعرف المناضل العمالي الراحل أبو باسل” منذ مرحلة المجلس الوطني في أعوام 1973/1975، كان يأتي باستمرار، من قريته، باربار، إلى فريقنا “الحمام” لزيارة الرفيق العزيز الراحل عبدعلي الخباز “أبو أنس”، العضو القيادي في جبهة التحرير الوطني، راكباً دراجته النارية “موتر سيكل”، التي كان يستخدمها أيضًا لمهام حزبية مثل توزيع المنشورات الصادرة عن الجبهة، وكان يعتبر الرفيقَ الراحلَ عبدعلي الخباز بمثابة الأب الروحي له، وكثيرًا ما حدَّثني عنه وهو  يعدِّد مناقبَه وأخلاقَه وتفانيَّه في العمل الحزبي، وأنه رفيقٌ يختلف عن الآخرين، وهو كذلك.

كان الرفيق الراحل سيد جعفر عندما يأتي إلى المقابر في أي منطقة من مناطق البحرين لتوديع رفيقٍ ما، يبكي عليه بحرقةٍ وألمٍ شديدين، وظلَّ مخلصًا ووفياً لحزبه، جبهة التحرير الوطني، لم يتخلَّ أو يتزحزح قيد أنملة عن أفكارها ومبادئها وأهدافها، كان مثل العاشق المحب لها.

عند انهيار الاتحاد السوفيتي ودول المنظومة الاشتراكية في نهاية ثمانينيات وبداية تسعينيات القرن الماضي، هرول كثيرٌ من الماركسيين نحو الأفكار الليبرالية معتقدين بأنها هي الخلاص للإنسان في هذا العالم. أثبتت الأيام والسنوات الماضية بأنها كذبةٌ كبيرةٌ روَّج لها المنظرون في الغرب، خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية، وإذا بها تكشف عن وجهها القبيح في أكثر من حدث حول العالم، ويكفي التوقف عندما يجري في منطقتنا وتحديدًا في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ سنوات، وآخرها السنوات الثلاث الأخيرة، ما شاهدناه وشهده العالم أجمع من إبادة جماعية في غزة قلَّ نظيرها في العصر الحديث من قِبل قوات الاحتلال الصهيوني وبمشاركة الأمريكان والأوروبيين، مخلفة أعداداً مهولة من الضحايا، شهداء وجرحى، فضلاً عن الآلاف من الأسرى في السجون والمعتقلات الصهيونية.

كان الرفيق أبو باسل حريصًا على المشاركة في المسيرات والتظاهرات والاعتصامات المؤيدة والداعمة للشعب الفلسطيني المقاوم والتي تُنظَّم من قبل الجمعية البحرينية لمقاومة التطبيع مع العدو الصهيوني، وبالرغم من المرض وصعوبة المشي بالنسبة إليه، كان يصرُّ على الحضور والمشاركة، ويقول إنه شيءٌ بسيط يُقدَّم من قِبلنا للقضية الفلسطينية.

أما في القضايا المحلية والمعيشية، كان سيد جعفر المناضل والكادح صريحًا وجريئًا، يقول رأيه بشجاعة، ربما يختلف معه، حولها، آخرون.

منذ أن انضمَّ في صفوف جبهة التحرير الوطني في عام 1967، نشط فيها ونشر أفكارها ومبادئها في مواقع العمل وفي قريته باربار، حيث كان من الرعيل الأول في نشر الأفكار والقيم الإنسانية ودفع الثمن غاليًا، وكان له دورٌ بارزٌ في إضراب الكهرباء الشهير عام 1968 في محطة التشغيل في أم الحصم، مع رفاقنا موسى خميس وإسماعيل العلوي وغيرهما من الرفاق والأصدقاء المشاركين فيه، وشارك مع الوفد العمالي المفاوض مع المغفور له الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، حاكم البحرين آنذاك، حيث طُرحت المطالب النقابية في اللقاء.

تمَّ اعتقال رفاقنا لفترات متفاوتة، ومن ضمنهم سيد جعفر لمدة ثلاثة أشهر، وبعدها فُصِل من العمل، ومع بداية سبعينيات القرن الماضي اُعتقِل أكثر من مرة.

ساهم في النقاشات والحوارات المطالبة بعودة الحياة النيابية وإشاعة الديمقراطية وإطلاق سراح المعتقلين والسجناء السياسيين وعودة المنفيين إبَّان فترة قانون أمن الدولة الذي استمرَّ لمدة ربع قرن منذ حل المجلس الوطني في أغسطس من عام 1975 حتى فبراير 2001، ووقَّع على العريضتَين النخبوية والشعبية في أعوام 1992/1994 من أجل تحقيق المطالب المذكورة سلفًا.

شارك مع رفاقه في تأسيس المنبر التقدمي بعد إقرار ميثاق العمل الوطني في عام 2001، حريصاً على حضور فعاليات التقدمي، وهو عضوٌ في اللجنة السياسية بالتقدمي، وحرص على المشاركة في المجالس الشعبية، وبالأخص مجلس النائب السابق علي ربيعة في المحرق كل يوم جمعة، ومجلس عائلة بن رجب في بني جمرة.

سيبقى المناضل العمالي الرفيق سيد جعفر الوداعي “أبو باسل” خالدًا في قلوب الرفاق والمحبِّين والأصدقاء.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا