ثمة رحيل لا يكون غياباً لشخص فحسب، وإنما غياباً لجزء من الذاكرة الوطنية. وهذا هو بعض ما نشعر به ونحن نودّع، واحداً بعد آخر، عدداً من المناضلين الذين أمضوا سنوات طويلة في صفوف الحركة الوطنية البحرينية، وفي العمل النقابي والاجتماعي، وكان لهم حضورهم في مسيرة المنبر التقدمي، وقبل ذلك في جبهة التحرير الوطني، وكان آخرهم المناضلان محمد حسين نصر الله والسيد شبر الوداعي، وغيرهما من الرفاق الذين سبقوهم في الرحيل خلال السنوات الماضية.
ينتمي هؤلاء المناضلون إلى جيل لم يكن الطريق أمامه معبّداً، عرف معنى أن يحمل الإنسان فكرة يؤمن بها في ظروف سياسية واجتماعية شاقة، وأن يدفع من وقته وجهده وحياته الخاصة ثمنًا لموقف اختاره عن قناعة. ومن مواقع العمل الوطني والنقابي والاجتماعي، وفي الأحياء والقرى وأماكن العمل، تشكلت تجاربهم وتعمقت صلاتهم بالناس، حتى أصبح النضال بالنسبة إليهم جزءًا من معنى الحياة نفسها، لا حضورًا مرتبطًا بموسم سياسي.
استذكار هؤلاء الراحلين استعادة لأسماء غابت عنا، ولفصول من تاريخ البحرين الحديث؛ تاريخ الحركة الوطنية، والحركة العمالية والنقابية، والنضال من أجل مجتمع أكثر عدلاً وكرامة، وهي قضايا ارتبطت بها جبهة التحرير الوطني ومن بعدها المنبر التقدمي، ومجمل التيارات الوطنية المناضلة في البحرين.
لكل واحد من هؤلاء المناضلين سيرته، التي تتشابه في أشياء وتختلف في أشياء أخرى مع سواه، فبينهم مناضلون عماليون، ونشطاء سياسيون، وقادة في مؤسسات المجتمع المدني، ومثقفون، وأصحاب تجارب سياسية وإنسانية امتدت عقوداً، يجمعهم أنهم لم يعيشوا بعيداً عن قضايا الناس، وأن مواقفهم لم تكن منفصلة عن واقع المجتمع الذي عاشوا فيه، ولهذا يصبح رحيلهم موجعاً لرفاقهم وأسرهم وأصدقائهم.
ومع توالي هذه الرحيلات، لا يخسر المنبر التقدمي أفراداً أعزاء وحسب، بل يخسر شيئاً من الذاكرة التي حملوها معهم. فالتجارب لا تنتقل كلها في الكتب والوثائق؛ بعضُها يسكن في الذاكرة الشخصية، وفي الحكايات التي يرويها أصحابها، وفي تفاصيل المواقف التي لا يعرفها إلا من عاشها، ولذا فإن الكتابة عن الراحلين محاولة لحفظ ما يمكن حفظه من تلك الذاكرة، وإنصاف لجيلٍ كان له نصيبه من الحلم والتعب والتضحيات، وأسهم، كلٌّ من موقعه، في صياغة جانب من تاريخنا الوطني.

