نظام التفاهة: عندما تصبح السطحية طريقًا إلى النجاح

0
14
جلال إبراهيم

في حياتنا اليومية نلاحظ انتشار الكثير من الأمور السطحية في الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي والعمل وحتى في التعليم. وقد يبدو الأمر في البداية مجرد تغير في اهتمامات الناس وطريقة حياتهم، لكن الكاتب الكندي آلان دونو يرى أن المشكلة أكبر من ذلك. ففي كتابه «نظام التفاهة» يتحدث عن مجتمع أصبحت فيه التفاهة ليست مجرد سلوك فردي، بل أصبحت جزءًا من طريقة عمل بعض المؤسسات في المجتمع.

لا يقصد دونو بالتفاهة أن الإنسان قليل الذكاء أو أنه لا يمتلك معرفة. فقد يكون الشخص متعلمًا ويحمل شهادات جامعية، لكنه لا يستخدم معرفته في التفكير والنقد، بل يكتفي بأداء ما هو مطلوب منه. لذلك فإن التفاهة، حسب فكرة الكتاب، لا تعني الجهل فقط، وإنما تعني أيضًا غياب التفكير المستقل والابتعاد عن الأسئلة التي قد تسبب الإزعاج.

يرى دونو أن الإنسان الذي يتكيف بسهولة مع النظام قد يحصل أحيانًا على فرص أكبر من الإنسان الذي يحاول انتقاد هذا النظام. فالموظف الذي ينفذ التعليمات دون نقاش قد يكون أكثر راحة للمؤسسة من الموظف الذي يسأل عن أسباب القرارات ونتائجها. وهنا تتحول القدرة على التكيف والطاعة إلى صفات مهمة للنجاح، بينما يصبح التفكير النقدي مصدرًا للإزعاج.

ويظهر هذا الأمر أيضًا في مجال التعليم. فالمدرسة والجامعة يفترض أن تكونا مكانًا لتكوين الإنسان القادر على التفكير، وليس فقط للحصول على الشهادة. لكن الاهتمام بالدرجات والتصنيفات والشهادات قد يجعل الطالب يهتم بالنجاح في الاختبار أكثر من اهتمامه بفهم المعرفة. وقد يصبح الهدف من التعليم هو الوصول إلى وظيفة جيدة، بدل أن يكون وسيلة لفهم الإنسان لنفسه ولمجتمعه.

كما يتحدث الكتاب عن الإعلام الذي أصبح له تأثير كبير في تشكيل اهتمامات الناس. فالأفكار السريعة والموضوعات المثيرة تنتشر بسهولة، بينما تحتاج الأفكار العميقة إلى وقت وتركيز. ومع كثرة الأخبار والمعلومات، أصبح الإنسان يتلقى عددًا كبيرًا من الأفكار في وقت قصير، لكنه قد لا يمتلك الوقت الكافي للتفكير فيها أو التحقق منها.

وتتضح المشكلة بشكل أكبر في مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يمكن أن يحصل محتوى بسيط أو مثير على اهتمام واسع، بينما لا يحظى موضوع ثقافي أو فكري بالاهتمام نفسه. وهذا لا يعني أن كل ما هو منتشر على مواقع التواصل تافه، ولكن المشكلة تكمن في أن الانتشار أصبح أحيانًا مرتبطًا بسرعة المحتوى وقدرته على جذب الانتباه أكثر من قيمته الحقيقية.

أما في السياسة، فيرى دونو أن اللغة العامة والعبارات الجاهزة يمكن أن تحل أحيانًا محل النقاش الحقيقي. فبدل الحديث عن المشكلات بشكل واضح، يتم استخدام كلمات كثيرة تبدو جميلة، لكنها لا تقدم دائمًا حلولًا واضحة. ومع الوقت قد يصبح المهم هو طريقة تقديم الكلام وليس مضمون الكلام نفسه.

ومن أهم الأفكار التي يمكن فهمها من الكتاب أن التفاهة لا تنتشر بسبب وجود أشخاص تافهين فقط، وإنما لأن بعض الأنظمة والمؤسسات تساعد على انتشارها. فعندما يتم تقدير الشخص الذي لا يعترض، ومكافأة من يجيد الحديث بطريقة ترضي الآخرين، والاهتمام بالأرقام والتصنيفات أكثر من الاهتمام بالمضمون، فإن التفاهة تصبح جزءًا من الحياة اليومية.

إن أهمية كتاب «نظام التفاهة» تكمن في أنه يجعلنا نفكر في معنى النجاح. فهل النجاح هو الحصول على وظيفة أو منصب أو شهادة فقط؟ أم أن النجاح يحتاج أيضًا إلى امتلاك القدرة على التفكير، والاختلاف، وطرح الأسئلة؟ وربما تكون المشكلة الحقيقية عندما يصبح الإنسان مهتمًا بأن يكون مقبولًا وناجحًا داخل النظام، أكثر من اهتمامه بفهم هذا النظام ونقده.

أخيرًا، لا يدعو الكتاب إلى رفض العمل أو المؤسسات أو التعليم، وإنما يدفعنا إلى التفكير في الطريقة التي نستخدم بها هذه الأشياء. فالمعرفة لا قيمة لها إذا لم تساعد الإنسان على التفكير، والتعليم لا يحقق هدفه إذا جعل الطالب يحفظ دون أن يفهم، والنجاح لا يكون كاملًا إذا فقد الإنسان قدرته على السؤال.

وهنا يمكن أن نفهم رسالة الكتاب ببساطة: ليست المشكلة في وجود التفاهة، فهي موجودة دائمًا، وإنما المشكلة عندما تصبح التفاهة طريقًا للنجاح، ويصبح التفكير الجاد والاستقلال في الرأي عبئًا على صاحبه.

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا