
في حفل تأبيني نظمه المنبر التقدمي بمشاركة شخصيات وطنية ورفاق دربه
متحدثون يستذكرون مسيرة المناضل جعفر الوداعي «أبو باسل» ودوره في الحركة الوطنية والعمالية
استذكر متحدثون من القوى السياسية والوطنية ورفاق النضال وأصدقاء وأسرة المناضل الوطني والعمالي الراحل السيد جعفر إبراهيم الوداعي «أبو باسل»، مسيرته النضالية الممتدة لنحو ستة عقود، وما قدمه من تضحيات ومواقف في الدفاع عن حقوق العمال والحريات العامة والعدالة الاجتماعية، مؤكدين أن الراحل جسّد نموذجاً للمناضل المتمسك بمبادئه وقناعاته، وجمع بين الصلابة في المواقف السياسية والتواضع والتسامح في علاقاته الإنسانية والاجتماعية.
جاء ذلك خلال الحفل التأبيني الذي نظمه المنبر التقدمي تكريماً لذكرى الراحل، الذي وافته المنية في 30 أغسطس 2026، بمشاركة ممثلين عن القوى الوطنية ورفاقه وأصدقائه وأفراد أسرته، حيث استعرض المتحدثون محطات من حياته وتجربته في الحركة الوطنية والعمالية البحرينية، مستحضرين مواقفه وتضحياته منذ انخراطه في العمل السياسي والنقابي في ستينيات القرن الماضي، مروراً بسنوات الاعتقال والعمل الوطني، وصولاً إلى مساهمته في تأسيس المنبر التقدمي عام 2001، واستمرار حضوره في الفعاليات الوطنية والعمالية رغم تقدمه في العمر واعتلال صحته.
وتخلل فعاليات حفل التأبين الذي أدارته الرفيقة منار السمّاك عرض فيلم مصور سلط الضوء على محطات من حياة الفقيد.
الوفاء لذكرى الفقيد بالسير على خطاه
في كلمة المنبر التقدمي التي ألقاها أمينه العام الرفيق عادل المتروك استذكر السيرة النضالية لأبو باسل مؤكداً أن مسيرته الممتدة لنحو ستة عقود من العمل الوطني جسّدت انحيازه إلى العمال والكادحين، ووفاءه لمبادئه وقربه من الناس.
وأشار المتروك إلى التحاق الوداعي بجبهة التحرير الوطني البحرانية عام 1967، ومشاركته في إضراب عمال الكهرباء بمحطة أم الحصم عام 1968، وما تعرض له من اعتقال وفصل من العمل بسبب مواقفه، ومن بينها اعتقاله في جزيرة جدة عام 1975.
ولفتت الكلمة إلى مواصلة الفقيد نشاطه الوطني مع تأسيس المنبر التقدمي عام 2001، وإسهاماته في العمل الجماهيري والاجتماعي بقرية باربار، ولا سيما تشجيع الشباب على التحصيل العلمي، ومواجهة محاولات تفريق المجتمع، إلى جانب مساندته ذوي الحاجة ودفاعه عن المظلومين.
كما استعاد مشاركته في المطالبة باستعادة الحياة النيابية وتوقيعه على عريضتي عامي 1992 و1994، وحرصه على المشاركة في الفعاليات المساندة للشعب الفلسطيني رغم المرض.
وشددت الكلمة على أهمية حفظ تاريخ المناضلين وتوثيق تضحياتهم وخبراتهم للأجيال الجديدة، مؤكدة أن الوفاء لأبي باسل يقتضي مواصلة العمل من أجل البحرين وكرامة الإنسان، ومقدمةً التعازي إلى أسرته وأهالي باربار ورفاقه.
دراجة نارية ومنشورات الجبهة
وفي كلمة ألقاها باسم رفاق الراحل في قرية باربار، استحضر المحامي حسن إسماعيل ذكرياته مع «أبي باسل»، مستعيداً ما كتبه عنه في مقال نشرته صحيفة «الوسط» عام 2012 بعنوان «ذاكرة وطنية»، حين تحدث عن دراجته النارية التي كان يستخدمها لنقل منشورات جبهة التحرير الوطني إلى مختلف المناطق، بما فيها الأحياء السنية، للدعوة إلى الوحدة الوطنية ونبذ الطائفية.
وأكد إسماعيل أن الراحل كان من أوائل أبناء قرية باربار الذين تشربوا الفكر الأممي، وتميز بروحه الاجتماعية الطيبة ونكران الذات والعطاء دون انتظار مقابل، مشيراً إلى أنه ظل ثابتاً في دفاعه عن الحرية والكرامة وحقوق المواطنين حتى أيامه الأخيرة.
وتوقف عند عدد من المواقف الشخصية التي جمعته بالراحل، ومنها استقباله له عقب الإفراج عنه من الاعتقال عام 1983، وحرصه على متابعة نشاطه الصحفي والوطني وتشجيعه، لافتاً إلى أن «أبا باسل» بقي حاضراً في فعاليات المنبر التقدمي واحتفالات الأول من مايو، معتزاً بانتمائه إلى الحركة العمالية وجبهة التحرير الوطني، رغم ما كان يبديه أحياناً من ملاحظات على أداء المنبر.
مفاوض عمالي
من جانبه، أكد الدكتور حسن العالي، في كلمة التجمع القومي الديمقراطي، أن الراحل أمضى نحو ستة عقود مدافعاً عن حقوق العمال والكادحين وقيم الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، مشيراً إلى مشاركته في إضراب عمال الكهرباء بمحطة التشغيل في أم الحصم عام 1968، ووجوده ضمن الوفد العمالي الذي نقل مطالب العمال إلى حاكم البحرين آنذاك الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة، وما أعقب ذلك من اعتقاله وفصله من العمل.
وأضاف أن الوداعي واصل نضاله خلال المراحل السياسية اللاحقة، وتعرض للاعتقال مجدداً في أغسطس 1975، كما شارك في المطالبة بعودة الحياة النيابية ووقّع على العريضتين النخبوية والشعبية خلال تسعينيات القرن الماضي، قبل أن يساهم مع رفاقه في تأسيس المنبر التقدمي عام 2001.
وأشار العالي إلى أن الراحل كان منحازاً لقضايا العمال بحكم تجربته الشخصية، وحريصاً على المشاركة في الفعاليات المساندة للقضية الفلسطينية والمناهضة للتطبيع رغم ظروفه الصحية. كما شدد على أهمية توثيق تجارب رواد الحركة الوطنية والعمالية وحفظ شهاداتهم للأجيال القادمة، داعياً إلى تعزيز العمل المشترك بين القوى الوطنية والديمقراطية وترسيخ قيم المواطنة المتساوية والوحدة الوطنية والعدالة الاجتماعية.
المناضل الصلب
وفي شهادة إنسانية باسم مجلس بن رجب، تناول رضا بن رجب علاقة الراحل بالمجلس الذي ظل أحد رواده وأعمدته لأكثر من عشرين عاماً، مؤكداً أن الحاضرين عرفوا في السيد جعفر المناضل الصلب، بينما عرف رواد المجلس في «أبي باسل» الإنسان الودود وصاحب القلب الرقيق، الذي استطاع المحافظة على علاقاته ومودته مع الآخرين رغم اختلاف الآراء والمواقف.
واستذكر بن رجب مواقف إنسانية جسدت وفاء الراحل لرفاقه وأصدقائه، ومنها تأثره الشديد عند الإفراج عن أحد رفاقه من السجن، وحزنه لفقدان المقربين منه، مستحضراً آخر لقاء جمعه به خلال مجلس عزاء أحد أصدقائه قبل أيام من رحيله.
وأشار إلى أن الراحل جعل من مجلس بن رجب مساحة للحوار والتواصل بين مختلف أطياف المجتمع، وأن الاختلاف السياسي لم يكن بالنسبة إليه سبباً للقطيعة أو فقدان الاحترام المتبادل. وأضاف أن المجلس خصص أول لقاء له بعد انتهاء إجازته لاستذكار الراحل وتكريمه، وفاءً لما مثله من حضور إنساني واجتماعي امتد لسنوات طويلة.
مبكراَ في العمل الوطني
بدوره، تناول المناضل مهدي مطر، في كلمة رفاق النضال الوطني، المحطات السياسية في حياة «أبي باسل»، مشيراً إلى انخراطه المبكر في العمل الوطني خلال فترة الوجود البريطاني، ومشاركته في النضال من أجل استقلال البحرين، ثم مواصلة نشاطه مع رفاقه في جبهة التحرير الوطني دفاعاً عن الحريات العامة والديمقراطية والمواطنة المتساوية ورفض التمييز الطائفي والمذهبي.
وأكد مطر أن الراحل لم يتراجع عن قناعاته رغم الاعتقالات والفصل من العمل والظروف الصعبة التي مر بها، وظل حريصاً على حضور الفعاليات العمالية والوطنية والقومية، مشيراً إلى أن مواقفه تجاه القضية الفلسطينية كانت جزءاً أصيلاً من قناعاته السياسية، وقد ترجمها بمشاركته المستمرة في الأنشطة والاعتصامات التضامنية مع الشعب الفلسطيني.
ولفت إلى أن الوداعي ترك تجربة غنية في العمل الوطني والعلاقات الاجتماعية العابرة للاختلافات الطائفية والمذهبية، مستذكراً لقاءاته برفاقه وأصدقائه في قرية باربار، وما تميز به من حسن الاستقبال والتواصل مع مختلف الشخصيات والقوى الوطنية.
نقابي أممي
وفي كلمة العائلة، استعرض الدكتور شبر الوداعي جوانب من السيرة الإنسانية والاجتماعية والنقابية للراحل، مستشهداً بشهادات عدد من الشخصيات الوطنية والعمالية التي عاصرته، ومن بينها الراحل محمد حسين نصر الله والنائب السابق علي ربيعة والمناضل النقابي عبدالله مطويع.
وأشار إلى أن هذه الشهادات عكست المكانة التي حظي بها «أبو باسل» بين رفاقه، ولا سيما مواقفه في الدفاع عن حقوق الطبقة العاملة، مؤكداً أن نشاطه لم يقتصر على العمال البحرينيين، بل امتد إلى مساندة العمال الأجانب في مطالباتهم بحقوقهم، انطلاقاً من قناعاته الأممية والإنسانية.
واستعاد شبر الوداعي شهادات عن مشاركة الراحل في الإضرابات والمسيرات العمالية خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، وما اتسم به من شجاعة في الميدان، إلى جانب قدرته على تقبل الاختلاف في الرأي والحفاظ على علاقاته الطيبة مع رفاقه ومحيطه الاجتماعي.
وخصّ الوداعي زوجة الراحل «أم باسل» بكلمات التقدير والامتنان، مستعرضاً ما تحملته من مسؤوليات وصعوبات في رعاية الأسرة خلال سنوات العمل السياسي والنقابي والاعتقال التي مر بها زوجها، مؤكداً أن صبرها وتضحياتها شكّلا جانباً مهماً من مسيرة العائلة، يستحق الاستذكار والتقدير.
واختتم كلمته بتوجيه الشكر إلى المنبر التقدمي على تنظيم الحفل التأبيني، وإلى المشاركين والحاضرين على وفائهم لذكرى الراحل ومواقفه.
وقد عكست الكلمات التي شهدها الحفل تعدد الجوانب التي ميزت شخصية المناضل السيد جعفر الوداعي، بين العامل المدافع عن حقوق زملائه، والناشط الوطني المتمسك بقناعاته، والإنسان القريب من مجتمعه ورفاقه، فيما أكد المتحدثون أهمية الحفاظ على سيرته وتوثيق تجربته بوصفها جزءاً من تاريخ الحركة الوطنية والعمالية البحرينية، ونقل ما تحمله من دروس وتجارب إلى الأجيال القادمة.

